بقلم: المهندس عبد الله عاصم غوشة
نقيب المهندسين الأردنيينتأتي ذكرى ميلاد جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، حفظه الله، في سياق وطني عميق الدلالة، نستحضر فيه مسيرة قيادة اختارت منذ اللحظة الأولى أن تجعل من التنمية الشاملة مشروع دولة، ومن الإنسان الأردني ركيزتها الأثمن. فهي مناسبة لا تُقرأ بمنطق الاحتفاء الرمزي فحسب، بل بوصفها محطة مراجعة لمسار تحديثي متواصل، أعاد تعريف العلاقة بين الدولة ومواطنيها، وبين السياسات العامة والاقتصاد، وبين المعرفة والإنتاج.
لقد رسّخ جلالة الملك، عبر رؤيته السياسية والاقتصادية، مفهومًا متقدمًا للتنمية يقوم على الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء المنظومات، ومن الحلول المرحلية إلى التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى. وكان واضحًا أن خيار الاستثمار في رأس المال البشري لم يكن شعارًا، بل عقيدة دولة، انعكست في سياسات التعليم، والتدريب، وبناء القدرات، وفي دعم المهنيين بوصفهم القوة المحركة للاقتصاد الوطني والضامن الحقيقي لاستدامته.وفي قلب هذه الرؤية، برزت القطاعات الهندسية والتقنية كأدوات تنفيذية للنهضة الاقتصادية، ومحركات رئيسية للنمو القائم على القيمة المضافة. فقد أولى جلالته اهتمامًا بالغًا بالبنية التحتية الحديثة، والطاقة المتجددة، وإدارة المياه، والنقل، والإسكان، والتحول الرقمي، إدراكًا منه أن هذه القطاعات تشكل الأساس الصلب لأي اقتصاد قادر على المنافسة، وتوفر البيئة الحاضنة للاستثمار، وتخلق فرص عمل نوعية تستوعب الكفاءات الوطنية.ولم يكن دعم جلالة الملك للمهندسين دعمًا قطاعيًا محدودًا، بل رؤية استراتيجية ترى في المهندس شريكًا في صياغة السياسات، وتنفيذ الخطط، وحماية المصلحة العامة. فالمهندس الأردني، بخبرته وكفاءته، كان حاضرًا في المشاريع الوطنية الكبرى، وفي برامج التحديث والبناء، وفي نقل المعرفة وتوطينها، حتى أصبح اسم الأردن مقترنًا في الإقليم والعالم بكفاءة هندسية مشهود لها، وقدرة عالية على إدارة المشاريع المعقدة ضمن أعلى المعايير الفنية والمهنية.ومن هذا المنطلق، اضطلعت نقابة المهندسين الأردنيين بدورها كبيت الخبرة الوطني، وحاضنة المهنة، وشريك الدولة في مسار التنمية. فالنقابة لم تكتفِ بدورها التنظيمي، بل عملت على تطوير منظومة متكاملة تشمل التدريب والتأهيل المستمر، وتحديث التعليمات الفنية، ورفع كفاءة الإشراف الهندسي، ودعم الابتكار وريادة الأعمال الهندسية، وبناء جسور التعاون مع القطاعين العام والخاص، بما يضمن مواءمة مخرجات التعليم الهندسي مع متطلبات السوق، واستباق التحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة.كما حرصت النقابة، انسجامًا مع التوجيهات الملكية، على حماية المهنة من أي تراجع في المعايير، إدراكًا منها أن جودة التنمية لا تتحقق إلا بجودة التنفيذ، وأن سلامة المواطن واستدامة الموارد هي خط أحمر لا يقبل المساومة. وفي الوقت ذاته، وازنت النقابة بين رفع الكفاءة وحماية حقوق المهندسين، لا سيما حديثي التخرج، عبر برامج تدريبية وتشغيلية مدروسة، تعزز فرصهم في سوق العمل، وتمنحهم مسارًا مهنيًا تصاعديًا قائمًا على الكفاءة والخبرة.إن ما نشهده اليوم من تحديات اقتصادية إقليمية ودولية، يؤكد صواب الرؤية الملكية التي راهنت على الإنسان المؤهل، والمعرفة التطبيقية، والحوكمة الرشيدة. فالدول التي تمتلك خبرات وطنية قادرة على التخطيط والتنفيذ هي الأقدر على الصمود، والأسرع في التعافي، والأكثر جاهزية لاقتناص الفرص. وهنا، يبرز دور المهنيين، وفي مقدمتهم المهندسون، كخط الدفاع الأول عن استقرار الدولة وتقدمها.وفي ذكرى ميلاد جلالة الملك عبد الله الثاني، نؤكد في نقابة المهندسين الأردنيين التزامنا الثابت بمواصلة هذه الرسالة الوطنية، وأن نبقى شريكًا فاعلًا في مشروع التحديث الشامل، وأن نعمل على تمكين المهندس الأردني ليكون عنصرًا منتجًا، ومبدعًا، وقادرًا على المنافسة محليًا وإقليميًا وعالميًا، حاملًا لقيم المهنة، وملتزمًا بأخلاقياتها، ومساهمًا في بناء أردن قوي، حديث، ومستدام.









