أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الخوالدة يكتب: إيران والانتحار الاستراتيجي: مأزق القرار الداخلي


د. زيد احسان الخوالدة

الخوالدة يكتب: إيران والانتحار الاستراتيجي: مأزق القرار الداخلي

مدار الساعة ـ

في ضوء إغتيال القيادة العليا في إيران، دخل النظام الإيراني مرحلة غير مسبوقة من الغموض البنيوي في مركز القرار. في غياب المرشد الأعلى، فإن طبيعة النظام القائمة على تعدد مراكز القوة تجعل من الصعب تحديد الجهة التي تمسك فعليًا بزمام القيادة: هل هي المؤسسة الدينية، أم الحرس الثوري، أم شبكات النفوذ داخل الدولة العميقة.

هذا الغموض يحمل طبيعة مزدوجة؛ فهو من جهة يمثل عنصر إرباك للخصوم الخارجيين، لكنه من جهة أخرى يشكّل نقطة ضعف داخلية تعيق سرعة الحسم وتزيد احتمالات التناقض بين الأجنحة. كما أن قدرة النظام على الحفاظ على درجة من التماسك الداخلي لأكثر من أربعة أسابيع ستُعدّ مؤشرًا على وجود حد أدنى من الاستقرار المؤسسي، غير أن هذا التماسك سيظل تماسكًا دفاعيًا ظرفيًا لا يرقى إلى مستوى الاستدامة السياسية طويلة الأمد.

انطلاقًا من هذا السياق، يمكن تفسير تعثر المشروع الإقليمي الإيراني من خلال مجموعة من الأخطاء الاستراتيجية البنيوية التي رافقته منذ تأسيسه، وأبرزها:

أولاً: إشكالية مفهوم "تصدير الثورة"

اعتمد المشروع الإيراني منذ بداياته على مبدأ "تصدير الثورة"، وهو مبدأ أيديولوجي يتناقض مع منطق الدولة الوطنية ومع قواعد النظام الدولي. هذا التوجه أدّى إلى خلق حالة صدام مستمر مع المحيط الإقليمي، وأنتج مخاوف أمنية لدى دول الجوار بدل بناء علاقات قائمة على المصالح المشتركة.

ثانيًا: التدخل في الشأن العراقي

أسهم التدخل العميق في العراق في تحويله إلى ساحة نفوذ وصراع بالوكالة، ما أدّى إلى إنهاكه سياسيًا وأمنيًا، وإلى استنزاف الموارد الإيرانية نفسها عبر دعم قوى محلية مرتبطة بالمشروع الإيراني بدل الاستثمار في التنمية الداخلية.

ثالثًا: الدور في الأزمة السورية

كان التدخل في سوريا نقطة تحول حاسمة في مسار الاستنزاف، إذ تحوّل الدعم العسكري إلى تورط طويل الأمد، تخللته ممارسات عنيفة ضد المجتمع السوري، ما ألحق ضررًا بالغًا بصورة إيران الإقليمية وحوّلها من فاعل سياسي إلى قوة صدامية.

رابعًا: التوسع الإقليمي غير المحسوب

امتد النفوذ الإيراني إلى عدد من الدول العربية وغير العربية، بل شمل بعض دول الفضاء السوفيتي السابق (الاتحاد السوفيتي سابقًا). هذا التوسع لم يكن قائمًا على شراكات اقتصادية أو تكامل تنموي، بل على شبكات أمنية وعسكرية، ما جعله توسعًا مكلفًا وقابلًا للاحتواء والضرب.

خامسًا: تهديد أمن الجوار بدل طمأنته

بدل أن يشكّل المشروع الإيراني عامل استقرار إقليمي، أصبح مصدر قلق مباشر لدول الجوار، وهو ما دفع إلى نشوء تحالفات مضادة له وفتح المجال لتدويل الصراع معه بدل احتوائه إقليميًا.

سادسًا: غياب المقابل التنموي والتكنولوجي

لم يُرافق هذا التوسع الإقليمي تطور اقتصادي أو تكنولوجي متناسب معه، فظل الاقتصاد الإيراني هشًا قائمًا على العقوبات والاقتصاد الريعي، في حين تكاثرت الخصومات الدولية والإقليمية دون امتلاك أدوات علمية وتقنية كافية لموازنتها.

سابعًا: التوظيف الوظيفي للفوضى والإرهاب

أُتيح لإيران هامش حركة واسع بعد عام 1990 ثم بعد عام 2003، حيث استفادت من انهيار الدولة العراقية ومن الفوضى الإقليمية، بل جرى توظيف ظاهرة الإرهاب أحيانًا كذريعة للتدخل وبسط النفوذ تحت عنوان "محاربة التطرف".

ثامنًا: الاستنزاف الاقتصادي في ساحات الصراع

شكّل الوجود في سوريا والعراق عبئًا ماليًا كبيرًا على الاقتصاد الإيراني، خصوصًا في ظل العقوبات، ما انعكس على الداخل الإيراني في صورة تضخم وبطالة وتراجع مستوى المعيشة.

تاسعًا: هشاشة الاستقرار الداخلي

يعاني النظام الإيراني من اختلالات داخلية بنيوية، تتجلى في الصراعات داخل النخبة الحاكمة، ووجود اختراقات أمنية، وتنامي الاحتجاجات الاجتماعية، ما يشير إلى تآكل التماسك الداخلي مع مرور الزمن.

عاشرًا: غياب النموذج الإصلاحي البديل

كان بإمكان إيران أن تنتهج نموذجًا إصلاحيًا شبيهًا بتجربة تركيا في الجمع بين الدولة الوطنية والانفتاح الاقتصادي والحضور الإقليمي الناعم، لكنها اختارت مسارًا أيديولوجيًا صداميًا بدل المسار التنموي.

حادي عشر: شخصنة الدولة وأدلجة القومية

تُدار الدولة بمنطق "الرجل الواحد" وبعقيدة تقوم في جوهرها على القومية الفارسية، في حين يُستخدم الإسلام وقضية فلسطين بوصفهما غطاءً تعبويًا خارجيًا أكثر منهما مشروعًا تحرريًا حقيقيًا.

خلاصة تحليلية

إن تدهور المشروع الإيراني ليس نتاج ضغط خارجي فقط، بل هو بالدرجة الأولى نتيجة:

خلل في تعريف الدور الإقليمي،

توسع بلا تنمية،

تدخل بلا شرعية،

أيديولوجيا بلا اقتصاد،

وقومية مغلّفة بخطاب ديني.

وهكذا انتقل المشروع من مرحلة "التمدد" إلى مرحلة "الاستنزاف"، ومن منطق النفوذ إلى منطق الدفاع عن البقاء.

مدار الساعة ـ