أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

عندما يختفي الأكسجين في جنح الليل.. كابوس الغاز القاتل بالكاميرون

مدار الساعة,أخبار خفيفة ومنوعة
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة -في واحدة من أغرب الكوارث الطبيعية وأكثرها رعبا في التاريخ الحديث، تحولت بحيرة هادئة في شمال غرب الكاميرون إلى مصدر لمأساة أودت بحياة 1746 شخصا ونحو 3500 رأس من الماشية خلال ساعات قليلة، دون انفجار ظاهر أو دمار للمنازل أو حتى جروح على أجساد الضحايا، لم يكن هناك إعصار أو زلزال أو ثوران بركاني، بل كان القاتل غازا عديم اللون والرائحة، خرج من أعماق المياه ليحصد الأرواح في صمت.

ليلة اختفى فيها الأكسجين

بدأت المأساة مساء 21 أغسطس 1986، عندما كان سكان القرى المحيطة ببحيرة نيوس في الكاميرون يستعدون لقضاء ليلة عادية، لكن قرابة الساعة التاسعة والنصف مساءً، شهدت المنطقة ظاهرة طبيعية نادرة أطلقت كميات هائلة من غاز ثاني أكسيد الكربون من أعماق البحيرة.

ومع بزوغ الفجر، كان المشهد صادما، جثث في المنازل والطرقات، وحيوانات نافقة، وقرى خيم عليها صمت ثقيل، مات مئات السكان أثناء نومهم، فيما نجا عدد قليل ممن كانوا بعيدين عن مسار الغاز القاتل.

والأكثر غرابة أن المباني ظلت سليمة، والأشجار لم تتأثر، ولم تكن هناك آثار لمعركة أو كارثة تقليدية، كل ما حدث أن سحابة غير مرئية اجتاحت المنطقة، وانتزعت الأكسجين من الهواء الذي يتنفسه السكان.

"انفجار ليمْني".. عندما تتحول البحيرة إلى مصدر للموت

بعد التحقيق في الحادث، توصل العلماء إلى أن الكارثة نتجت عن ظاهرة تُعرف علميا باسم "الانفجار الليمْني" (Limnic Eruption)، وهي ظاهرة نادرة يحدث خلالها انطلاق مفاجئ لكميات ضخمة من الغازات الذائبة في أعماق البحيرات.

وتشير التقديرات إلى أن ما بين 100 ألف و300 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون انطلقت من بحيرة نيوس خلال تلك الليلة.

وتكمن خطورة هذا الغاز في أن كثافته أعلى من كثافة الهواء، ما يجعله يتدفق نحو المناطق المنخفضة والوديان، ويزيح الأكسجين من الهواء المحيط، وقد تحركت السحابة الغازية بسرعة وصلت إلى 50 كيلومترا في الساعة، وامتدت لمسافة بلغت نحو 25 كيلومترا، تاركة وراءها مئات الضحايا.

أما مصدر الغاز، فيعود إلى نشاط جيولوجي في أعماق البحيرة، إذ تتسرب انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من باطن الأرض وتتراكم في المياه العميقة تحت ضغط مرتفع، ومع حدوث اضطراب مفاجئ في طبقات المياه، يمكن أن يتحرر الغاز بكميات هائلة، في مشهد يشبه فتح زجاجة مشروب غازي بعد رجّها بقوة.

ولم تكن كارثة نيوس الأولى من نوعها، ففي عام 1984، شهدت بحيرة مونون، الواقعة أيضا في الكاميرون، حادثا مشابها أودى بحياة أشخاص نتيجة انبعاث مفاجئ للغاز.

كيف نجح العلماء في احتواء الخطر؟

دفعت الكارثة العلماء إلى البحث عن وسيلة تمنع تكرار المأساة، وفي عام 2001، بدأت مرحلة جديدة من التدخل العلمي، من خلال تركيب أنابيب خاصة لتفريغ ثاني أكسيد الكربون المتراكم في أعماق البحيرة بصورة تدريجية.

وأظهرت القياسات اللاحقة تراجعا كبيرا في كمية الغاز المتراكمة، فبعد أن كان اندفاع الغاز عبر أحد أنابيب التفريغ يصل إلى ارتفاع 50 مترا، انخفض إلى نحو مترين في القياسات الأخيرة، مع تقديرات تشير إلى التخلص من قرابة 90% من الغاز الخطير.

وبحسب الباحث الفرنسي ميشيل هالبواكس، لم تعد بحيرة نيوس تمثل خطرا مماثلا للانفجار الذي وقع عام 1986، في ظل إجراءات التفريغ الحالية.

بحيرة كيفو.. خطر أكبر يهدد ملايين البشر

ورغم نجاح الإجراءات في بحيرة نيوس، فإن القلق العلمي لم ينتهِ، إذ تتجه الأنظار إلى بحيرة كيفو، الواقعة بين رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، والتي تحتوي على كميات هائلة من الغازات الذائبة، أبرزها ثاني أكسيد الكربون والميثان.

وتكمن خطورة البحيرة في حجم مخزونها الغازي، الذي تشير التقديرات الواردة في التقارير إلى أنه يفوق مخزون بحيرة نيوس قبل كارثتها بمئات المرات، فيما يعيش ملايين الأشخاص على ضفافها.

وتجعل هذه المعطيات من بحيرة كيفو موضع اهتمام ومراقبة علمية مستمرة، خصوصا أن أي اضطراب كبير قد يؤدي إلى تحرر كميات من الغاز تشكل تهديدا للمناطق المحيطة.

وبعد مرور أربعة عقود على مأساة بحيرة نيوس، تظل هذه الكارثة تذكيرا قاسيا بأن أخطر الكوارث الطبيعية ليست بالضرورة تلك التي تُسمع أصواتها أو تُرى آثارها، فقد يكون الخطر ساكنا تحت سطح المياه، ينتظر لحظة واحدة ليحوّل الهدوء إلى مأساة إنسانية.


مدار الساعة ـ