أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الدعم بين الكلفة والعدالة


سلامة الدرعاوي

الدعم بين الكلفة والعدالة

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ

بات ملف الدعم في الموازنة العامة يتطلب مراجعة اقتصادية جادة، خصوصًا في ظل التطورات الإقليمية وما تفرضه من ارتفاعات في أسعار الطاقة وكلف الشحن والتأمين واضطراب سلاسل التوريد، إذ تجد المالية العامة نفسها، مع استمرار حالة عدم اليقين، أمام أعباء إضافية تحدّ من قدرتها على إدارة الإنفاق وتحقيق أهداف الإصلاح الاقتصادي.

لقد بلغت كلفة دعم المشتقات النفطية وفروقات أسعارها نحو 255 مليون دينار منذ بداية الأزمة حتى نهاية أيلول، وفق وزارة الطاقة، نتيجة عدم عكس كامل الارتفاعات العالمية على الأسعار المحلية، وهي كلفة تتحملها الموازنة، وإن كان التثبيت المؤقت يخفف الصدمة عن المواطنين والقطاعات المنتجة، فالقرارات التي تبدو شعبية في لحظتها قد تتحول إلى أعباء مالية مؤجلة يدفع الاقتصاد ثمنها لاحقًا، سواء عبر زيادة العجز أو تقليص الإنفاق على الأولويات التنموية.

وتكشف أرقام قانون موازنة 2026 اتساع الالتزامات، إذ تبلغ مخصصات أبرز بنود الدعم والمساعدات والتحويلات نحو مليار و30 مليون دينار، مقابل 916 مليونًا في 2025، بزيادة 114 مليونًا، تعادل نحو 12.4 %، وتشمل هذه البنود دعم السلع والمعونة النقدية والصحة والتعليم والبلديات، ما يفرض تقييم كل منها بحسب أهدافه وأثره، وعدم التعامل معها جميعًا باعتبارها دعمًا شاملًا للأسعار.

وفي دعم السلع تحديدًا، خُصص 171 مليون دينار للقمح والأعلاف، و80 مليونًا لأسطوانة الغاز، فيما بلغت مخصصات المعونة النقدية لصندوق المعونة الوطنية 280 مليونًا، وتوضح هذه الأرقام أهمية التمييز بين دعم يرتبط بشراء السلعة واستهلاكها، ومساعدة تستهدف حاجة الأسرة وقدرتها المالية، الأمر الذي يجعل حماية البرامج الاجتماعية الفعالة ومراجعة أوجه الانتفاع غير المرتبطة بالحاجة الفعلية أساسًا لأي إصلاح.

من هنا، بات من الضروري إعادة فتح الملف بصورة جادة، لإعادة توجيه الدعم إلى مستحقيه وفق آلية عادلة وتدريجية تعطي الأولوية للأسر الأقل دخلًا، وتراعي القدرة على التحمل والاحتياجات الفعلية، على أن يشمل التقييم أثر ارتفاع كلف النقل والإنتاج على أسعار السلع والخدمات، حتى لا يقتصر التعويض على الاستهلاك المباشر للمحروقات.

ويتطلب ذلك البناء على السجل الوطني الموحد القائم وتحديث البيانات المرتبطة به، فصندوق المعونة الوطنية يستخدم بالفعل نظام استهداف يستند إلى 57 مؤشرًا لتحديد مستوى معيشة الأسر وحاجتها، ويصرف الدعم عبر قنوات إلكترونية، ما يتيح تطوير هذه المنظومة ورفع كفاءتها، من خلال مراجعة المعايير وضمان شمول الأسر المتضررة من الصدمات، وتيسير الاعتراض وتصحيح البيانات.

لكن نجاح هذه الخطوة يرتبط أيضًا بآلية التنفيذ، فلا يجوز أن يشعر المواطن بأن الحصول على حقه يتطلب الانتظار أو الإجراءات المعقدة أو المساس بكرامته، وهو ما يستدعي إجراءات سلسة وشفافة تضمن وصول الدعم النقدي مباشرة إلى مستحقيه، وبقيمة تراعي الأعباء الإضافية الناتجة عن تعديل الأسعار، مع مراجعة دورية تتناسب مع تغير الأسعار والدخول، على أن يصل التعويض قبل التعديل، وتتوفر قنوات مساندة لمن لا يستطيع استخدام الخدمات الإلكترونية.

الأولوية اليوم حماية الاستقرار المالي ومنع تراكم أعباء جديدة على الخزينة، من دون التضحية بالحماية الاجتماعية أو إضعاف النمو، وهذا يتطلب إعلان كلفة كل برنامج والفئات المستفيدة منه، والوفر المتوقع من إصلاحه وكيفية إعادة توجيهه إلى الحماية والخدمات والاستثمار، حتى يقاس نجاح الإصلاح بصافي أثره على الخزينة وعلى معيشة الأسر معًا.

إعادة توجيه الدعم تحمي مسؤولية الدولة الاجتماعية وتمنحها قدرة أكبر على الوفاء بها، فالدعم الذي يصل إلى غير مستحقيه يستنزف الموارد، أما الدعم الموجه بعدالة فيحمي المواطن ويعزز الثقة بينه وبين الحكومة، ويمنح الاقتصاد مساحة أوسع لمواجهة الصدمات المقبلة.

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ