أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

من البيجر إلى علي الطاهر.. هل تم التحقيق مع الشيخ نعيم؟

مدار الساعة,أخبار عربية ودولية,رئيس الوزراء,حزب الله,حسن نصرالله,حركة حماس,بنيامين نتنياهو
مدار الساعة (MTV) ـ
حجم الخط

مدار الساعة - كتب نجم الهاشم (MTV) - في 17 أيلول 2024 عندما بدأت تنفجر أجهزة البيجر بين يديّ مقاتلي "حزب الله"، وصولا إلى السفير الإيراني مجتبى أماني، لم يفهم "الحزب" ما يحصل، ولم يستطع أن يقرر ماذا عليه أن يفعل، ولم يستوعب حجم الضربة القاسية التي تعرّض لها. مضت ساعات قبل أن يأمر أمينه العام السيد حسن نصرالله بالتخلص مما تبقى من أجهزة البيجر. ولكن كان ذلك بعد فوات الأوان. في اليوم التالي عندما كان يتم تشييع بعض الضحايا انفجرت أجهزة الاتصال اللاسلكي وأوقعت أيضًا عددًا من القتلى والجرحى. ولا تزال التحقيقات جارية لكشف حقيقة ما حصل ولكن من دون نتيجة.

عندما اغتالت إسرائيل القائد العسكري لـ"الحزب" فؤاد شكر، الحاج محسن، في 30 تموز 2024 في منزله في الضاحية الجنوبية، كان مرّ نحو سبعة أشهر على نجاحها في اغتيال القائد العسكري في حركة "حماس" صالح العاروري في الضاحية أيضًا في 2 كانون الثاني 2024. كان نصرالله قد أعلن في 8 تشرين الأول 2023 حرب المساندة لحركة "حماس" في غزة بعد يوم واحد على تنفيذها عملية "طوفان الأقصى" التي لم تُعلِم بها نصرالله قبل حصولها. علامات استفهام كثيرة ظلّت تحيط بقرار نصرالله إعلان حرب المساندة من دون الدخول في حرب كبرى بعدما كان هدّد أكثر من مرة بأنّ قوات "الحزب" مستعدة للدخول إلى الجليل.

طالما أن قوات "حماس" استطاعت أن تخرق الدفاعات الإسرائيلية في غلاف غزة، فلماذا أحجم "الحزب" عن اقتحام الجدار الذي أقامته إسرائيل وبدء حرب التحرير؟ في 21 أيار 2023 كان "الحزب" قد أجرى مناورات عسكرية دعا وسائل الإعلام لتغطيتها، في منطقة عرمتى بين جزين والزهراني وإقليم التفاح، تحت شعارات مثل "قادمون" و"سنعبر". ولكن المفاجأة كانت في أنّه لم يعبر وفي أنّ العبور كان إسرائيليًا وفي الاتجاه المعاكس.

خطأ التشخيص القاتل

دائمًا كان هناك سوء تقدير من الحزب للقوة الإسرائيلية وزيادة في التقدير لقوته. وهذا الخطأ كان قاتلا واستمرّ من عملية اغتيال العاروري إلى عملية عليّ الطاهر مرورًا باغتيال فؤاد شكر وتفجيرات البيجر. بعد اغتيال شكر خرج نصرالله في مناسبة تشييعه ثم في مناسبة مرور أسبوع على اغتياله ليهدّد إسرائيل ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو بالويل "انتظر ردّنا على جريمة اغتيال القائد الجهادي الكبير السيّد فؤاد شكر، أنت ومن يقف خلفك وبيننا وبينكم الأيام والليالي والميدان... إضحكوا قليلا ولكن ستبكون كثيرًا وأنتم لم تعلموا أيّ خطوط تجاوزتم وأيّ نوع من العدوان ارتكبتم... على العدو الاسرائيلي أن ينتظر انتقام الشرفاء في هذه الأمة، من أجل أن يعرف العدو والصديق نحن في كل جبهات الإسناد دخلنا في مرحلة جديدة".

بعد اغتيال شكر طُرحت في قيادة "الحزب" مسألة توسيع الرد والذهاب نحو معركة مفتوحة والخروج من معادلة حرب الإسناد. بين المستويين اختار نصرالله أن يوجّه ضربة قاسية لإسرائيل من خلال عمليات قصف عنيفة وعميقة تطال أهدافًا كثيرة واستراتيجية. ولكن المفاجأة كانت في أن إسرائيل كانت على علم مسبق بتوقيت العملية وبأمكنة منصّات إطلاق الصواريخ، فقامت بتدميرها قبل نصف ساعة من إطلاقها. حتى بعد هذه العملية لم يستوعب نصرالله وقيادته حجم الاختراق والتفوّق الإسرائيلي.

كيف انخدع نصرالله؟

عملية تفجير أجهزة البيجر كانت من أكبر عمليات التجسس والاختراق في تاريخ العمل الاستخباري في العالم. كانت فتحًا جديدًا في التخطيط الإسرائيلي المتواصل. مهّدت إسرائيل لهذه العملية التي كانت حضّرت لها قبل أعوام، بتسريب معلومات حول اختراق أجهزة الهاتف الخليوي بعد سلسلة عمليات اغتيال لقيادات عسكرية وأمنية في الحزب. دخلت المعادلة الإسرائيلية في عقل نصرالله فأمر بالتخلّي عن الهواتف في خطاب تاريخي اعتبر فيه أنّها أجهزة تجسّس. أكثر من ذلك سقط نصرالله في فخّ الخديعة وأوعز بشراء أجهزة البيجر باعتبار أنّها أكثر أمانًا ولا تستطيع إسرائيل أن تحدّد من خلالها أمكنة وجود من يحملها. وفي الواقع كانت إسرائيل هي من تبيع الحزب الأجهزة المفخخة التي حضّرتها.

لم يكن تاريخ 17 ايلول 2024 تاريخًا محددًا بشكل قاطع لتنفيذ العملية. معطيات الوقائع العسكرية هي التي حدّدت الوقت الذي أُرسِلَت فيه الرسائل التفجيرية بحيث بدأ مقاتلو الحزب يتساقطون في أمكنة كثيرة ويُنقلون إلى المستشفيات في ظلّ حالة ذهول سيطرت على نصرالله وعلى سائر القيادة الحزبية وصولا إلى قيادة الحرس الثوري في إيران التي تدير الحزب عسكريًا وأمنيًا وسياسيًا، خصوصًا أن عددًا من مسؤولي الحزب وأبنائهم كانوا ضحايا هذه التفجيرات. أكثر من ذلك كانت إسرائيل قد أرسلت شحنة من هذه الأجهزة لصالح الحزب وصلت إلى مطار تركي في طريقها إلى الضاحية. كان رئيس الوزراء وقتها نجيب ميقاتي تبلّغ من قيادة الحزب معلومات عن هذه الصفقة فاتّصل برئيس الوزراء التركي رجب طيّب أردوغان وأبلغه بالأمر فسحبت أجهزة الأمن التركية الصناديق التي فيها الأجهزة وفجّرتها. أكثر من ذلك أيضًا، فقد كشفت معلومات عن أنّ إسرائيل كانت تعمل على بيع الحزب أجهزة عسكرية أخرى مفخّخة، ربّما دروعا عسكرية، توزّع على جميع العناصر، ويمكن تفجيرها من بعد، ولكن هذه العملية لم تتم بعد تفجيرات البيجر.

التوقيت الإسرائيلي وخطيئة نصرالله

هذه المعلومات والوقائع تطرح مسألة التوقيت الإسرائيلي لتفجير البيجر. لماذا لم تنتظر مثلا وصول الدفعات الإضافية التي كُشفت في تركيا؟ ولماذا لم تنتظر تسليم الدروع المفخّخة؟ ربّما كانت المسألة مرتبطة بالتوقيت الإسرائيلي للبدء بالحرب الشاملة ضدّ الحزب وكانت تفجيرات البيجر نقطة الإنطلاق فيها لبدء العمليات البرية.

التسريبات الكثيرة التي صدرت لاحقًا عن مسؤولين كثر في الحزب أعطت انطباعًا بأن السيد حسن نصرالله عاش لحظات عصيبة بعد تفجيرات البيجر عندما اكتشف حجم الخرق الإسرائيلي وربما عندما تأكّد أيضًا من أنّه مسؤول في مكان ما عن تسهيل هذا الخرق، وأنّه وقع ضحية الأفكار المسبقة التي تبنّاها وروّج لها عن تفوّق الحزب وعن الانهيار الإسرائيلي.

بعد يومين على تفجيرات البيجر ويوم على تفجير أجهزة اللاسلكي، أعلن نصرالله عن عملية تحقيق شاملة للكشف عن حقيقة هذا الخرق الكبير والضربة القاسية التي تلقاها الحزب. قال: "نحن شكّلنا لجان تحقيق داخلية متعدّدة فنية وتقنية وأمنية وندرس كلّ السيناريوهات والاحتمالات والفرضيات في موضوع التفجيرات، وصلنا إلى نتيجة شبه قطعية ولكنّنا ما زلنا نحتاج إلى بعض الوقت، لكنّ مجمل هذا الملف هو قيد التحقيق والمتابعة الدقيقة سواء من الشركة التي باعت إلى التصنيع إلى النقل إلى الوصول إلى لبنان إلى الإجراءات هنا في لبنان إلى التوزيع أي من المنتج إلى المستهلك إلى لحظة التفجير، هذا كله سنصل فيه خلال وقت قصير إن شاء الله إلى نتائج واضحة ويقينية ويبنى حينئذ على الشيء مقتضاه...".

مسلسل الضربات يلغي التحقيقات

بعد يوم على هذا الكلام، كانت إسرائيل تغتال القائد العسكري التاريخي في الحزب إبراهيم عقيل وعدداً من قادته العسكريين خلال اجتماع سرّي في أحد مقرات الحزب السرّية. وفي 27 أيلول 2024 نجحت في اغتيال نصرالله وفي 3 تشرين الأول اغتالت خليفته السيّد هاشم صفيّ الدين. بحيث بدا أن مسلسل الضربات القاضية مستمرّ مع بدء التقدّم البرّي وتدمير سائر قوات الحزب في القرى والبلدات الأمامية التي كانت أُعِدّت لاقتحام الجليل.

بعد اتفاق وقف النار في 27 تشرين الثاني 2024 أطل أمين عام الحزب الجديد الشيخ نعيم قاسم في 8 تموز 2025 ليحكي عن مؤهلاته ومهاراته القيادية وليعلن أيضًا عن استمرار التحقيق في قضية البيجر، وفي الخروقات التي تعرّض لها الحزب. ولكن في أي خروقات كان يمكن التحقيق؟

الحرس الثوري يحقّق

في الكواليس حكي أن فريقًا من الحرس الثوري أُرسِل إلى لبنان لتولّي التحقيق في الخروقات على أساس أنّ كل قيادات الحزب يمكن أن يكونوا موضع شبهة ويجب التحقيق معهم وربما كان الشيخ نعيم قاسم من بين الذين أُخضِعوا للتحقيق. ولكنّ تسارع الأحداث بين جبهتي لبنان وإيران واستئناف الحرب في أول آذار 2026 أسقط كل محاولات التحقيق بحيث أنّ كل اختراق كان يمحو الاختراق الذي قبله وصولا إلى التوغل الإسرائيلي نحو الشمال وتلال الشقيف وعليّ الطاهر وربّما ما بعدهما. في ظلّ هذا الوضع يبدو كأن "حزب الله" بات يعيش حالة الهزيمة والانكسار، ويعمل على تسجيل انتصارات على من يعتبر أنّهم خصومه في الداخل. كأنه في معركة بديلة عن المعركة المستحيلة مع إسرائيل.


مدار الساعة (MTV) ـ