مدار الساعة - كتب مأمون المساد -
في الأوقات التي تتسارع فيها الأحداث، لا يكفي أن تدير الدولة حاضرها، بل يصبح عليها أن تستعد لما هو أبعد من اللحظة. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة مشاركة نائب جلالة الملك، سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد، في جانب من جلسة مجلس الوزراء، الأربعاء؛ حضورٌ لم يقتصر على متابعة ملفات حكومية، وإنما حمل أسئلة المستقبل إلى طاولة الحاضر.فالاقتصاد والسياحة وسلاسل التوريد والتكنولوجيا والبيانات والذكاء الاصطناعي، وإن بدت ملفات متباعدة، يجمعها خيط واحد: كيف تصبح الدولة أكثر جاهزية، وكيف تتحول الخطط إلى نتائج، وكيف يصل أثر عمل المؤسسات إلى حياة المواطن؟في الاقتصاد، لم يتوقف طرح سمو ولي العهد عند متابعة الجهود التي يقودها جلالة الملك عبدالله الثاني في فتح آفاق سياسية واقتصادية مع العالم، بل اتجه إلى مرحلة ما بعد فتح الأبواب: كيف نستثمر هذه العلاقات؟ وكيف تتحول إلى استثمارات وشراكات ومشروعات وفرص عمل؟وهنا تبدو أهمية الخطط التنفيذية المرتبطة بجداول زمنية واضحة، لأن نجاح الجهود الخارجية لا يقاس بعدد اللقاءات أو الاتفاقيات، وإنما بما تنتجه على أرض الواقع من نمو وتشغيل وتحسين في مستوى معيشة المواطن.وفي السياحة، جاءت الرؤية باعتبار القطاع أكثر من مصدر للدخل والعملات الأجنبية؛ فهو قطاع قادر على تحريك قطاعات اقتصادية واسعة. ولذلك برزت الحاجة إلى معالجة تحديات إدارة المواقع السياحية، وتنويع الأسواق، وتحسين تجربة الزائر. فالأردن لا يملك فقط مواقع سياحية وتاريخية، بل يحتاج إلى تقديم تجربة متكاملة تبدأ من وصول الزائر، وتشمل النقل والخدمات والإرشاد، وتنتهي بانطباعه عن الأردن.أما سلاسل التوريد، فتضع مفهوم الجاهزية في صلب العمل الحكومي. فالحفاظ على مخزون استراتيجي وضمان انسياب السلع الأساسية يعني الانتقال من انتظار الأزمة إلى الاستعداد لها، ومعرفة الاحتياجات ومصادر الاستيراد والبدائل، بما يعزز الأمن الاقتصادي والاستقرار المعيشي.وفي التكنولوجيا، تتجاوز الرؤية فكرة رقمنة المعاملات إلى إعادة تصميم الخدمة نفسها. فالمعيار ليس أن تنتقل المعاملة من الورق إلى الشاشة، وإنما أن تصبح أسرع وأسهل وأكثر دقة، وأن تختصر على المواطن الوقت والجهد، وهو ما تعكسه أهمية تطوير مبادرات مثل مركز الصحة الرقمية وتطبيق «سند».وتكتمل الصورة مع ملف البيانات والذكاء الاصطناعي، حيث تصبح البيانات أداة لصناعة القرار، لا مجرد معلومات محفوظة في المؤسسات. فالبيانات الدقيقة والمحدثة تساعد على تحديد الاحتياجات وتوجيه الموارد في الوقت المناسب، فيما يتطلب توظيف الذكاء الاصطناعي أنظمة مترابطة وضوابط واضحة وحماية للخصوصية وكفاءات قادرة على تحويل التكنولوجيا إلى قيمة مضافة في القرار الحكومي.وفي مستهل حديثه، حمل سمو ولي العهد البعد الإنساني والأمني، بتقديم التعازي لذوي المتوفين في حادث حافلة مكلفي خدمة العلم، وتمنياته للمصابين بالشفاء، وتقديره لجهود القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي والأجهزة الأمنية. وهي إشارة تؤكد أن التنمية لا تنفصل عن الاستقرار؛ فالأمن هو البيئة التي تسمح للاقتصاد والاستثمار والسياحة والخدمات بأن تنمو.وعندما توضع هذه الملفات جنباً إلى جنب، تتضح الصورة: اقتصاد يحتاج إلى فرص، واستثمار يحتاج إلى استقرار، واستقرار يحتاج إلى جاهزية، وخدمات تحتاج إلى تكنولوجيا وبيانات، وسياحة تحتاج إلى إدارة وتجربة أفضل، وكل ذلك يجب أن يلتقي عند غاية واحدة هي المواطن.وهنا تكمن الرسالة الأبرز في متابعة سمو ولي العهد لعمل الحكومة: الانتقال من إدارة الملفات إلى إدارة النتائج، ومن رد الفعل إلى الاستعداد، ومن الخطط العامة إلى التنفيذ القابل للقياس.فالمستقبل لا يُبنى بالانتظار، بل بالاستعداد له. وحين تصبح الأولويات واضحة، والمسؤوليات محددة، والنتائج قابلة للقياس، تتحول متابعة الحاضر إلى صناعة فعلية للمستقبل.ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة حضور ولي العهد في جلسة مجلس الوزراء باعتباره أكثر من متابعة للعمل الحكومي؛ إنه تأكيد على أن الأردن، في إقليم سريع التغير، يحتاج إلى دولة ترى ما وراء الحدث، وتستعد لما بعده، وتحول الفرص إلى إنجازات، والإنجازات إلى أثر يلمسه الأردنيون في حياتهم اليومية.ولي العهد.. حين تتحول متابعة الملفات إلى رؤية للمستقبل
مدار الساعة ـ



