في أيلول 2026 نشر "الباروميتر العربي" تقريره الكامل عن الأردن ضمن دورته التاسعة بعد استطلاع ميداني نُفّذ في تشرين الاول من عام 2025 بواسطة مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية شمل 1,266 مواطنًا ومواطنة بهامش خطأ ±3 نقاط مئوية.
سرعان ما تناقلت وسائل الإعلام الأردنية نتائج الاستطلاع بعناوين متفائلة، تركز على ارتفاع ملموس في الثقة بالحكومة وتحسن في تقييم الاقتصاد. لكن قراءة متأنية للتقرير الأصلي تكشف أن الصورة أكثر تعقيدًا، وأن ثمة فجوة واضحة بين ما نشره الإعلام وما ورد فعليًا في التقرير.الثقة بالحكومة ارتفعت عشر نقاط لتصل إلى 49%، والثقة برئيس الوزراء زادت إحدى عشرة نقطة لتصل إلى 49%، والرضا عن الأداء الحكومي العام بلغ 61%. هذه الأرقام صحيحة لكن التقرير الأصلي يضعها في سياق مختلف تمامًا , فهو يشير إلى أن الثقة ارتفعت رغم استمرار الإحباطات الاقتصادية، وأن الرضا عن الأداء الحكومي في الملفات الاقتصادية تحديدًا لا يتجاوز 22% في خلق فرص العمل، و23% في استقرار الأسعار، و24% في تقليل اللامساواة , بمعنى آخر أن التحسن في الثقة العامة لا يعني بالضرورة رضا عن الأداء الاقتصادي.في ما يتعلق بالوضع الاقتصادي ركّزت التغطية الإعلامية على أن 27% يصفون الوضع الاقتصادي بأنه جيد جدًا، مع الإشارة إلى تحسن بمقدار خمس نقاط عن 2023 , لكن التقرير الأصلي يكشف أن 73% من الأردنيين لا يزالون يقيّمون الوضع الاقتصادي بأنه سيئ، بينهم 40% يقولون إنه سيئ جدًا. والأهم أن التقرير يكشف عن مؤشرات صادمة لم تظهر في التغطية الإعلامية، إذ عانى 61% من انعدام الأمن الغذائي خلال الشهر السابق للاستطلاع، وشعر 50% بالقلق من عدم توفر الطعام الكافي، واضطر 49% لتناول أنواع محدودة من الطعام، وفوّت 45% وجبة من الوجبات اليومية، ونفد الطعام من بيوت 38% تمامًا , هذه الأرقام ترسم صورة معاناة يومية لا تعكسها عبارة تحسن طفيف.أما الهجرة، وهي من أبرز النتائج في التقرير الأصلي، فقد غابت تمامًا عن التغطية الإعلامية. حيث يفكر 44% من الأردنيين في الهجرة، و92% منهم دافعهم اقتصادي. الشباب في الفئة العمرية 18 إلى 29 أكثر رغبة في الهجرة بنسبة 53% مقابل 39% للأكبر سنًا، والحاصلون على تعليم جامعي بنسبة 51% مقابل 40% للحاصلين على تعليم ثانوي أو أقل , وأربعون بالمئة من الراغبين في الهجرة يستعدون فعليًا للمغادرة، والوجهات المفضلة هي الولايات المتحدة بنسبة 37% وكندا بنسبة 32% , هذا مؤشر على هجرة العقول لا يمكن تجاهله.الحريات المدنية شهدت تراجعًا لم يبرز إعلاميًا , ففي حين نشرت وسائل الإعلام أن 46% يرون أن حرية التعبير مكفولة، يكشف التقرير الأصلي أن هذه النسبة تراجعت ثلاث عشرة نقطة مئوية عن 2023 حين كانت 59%. الحق في التظاهر السلمي انحسر إحدى وعشرين نقطة ليصل إلى 30% فقط , في حين يرى 44% فقط أن الإعلام حر في انتقاد الحكومة , ويصف التقرير هذا بأنه تراجع تقديرات المواطنين لمدى توفر الحقوق والحريات الأساسية.قضايا الجندر قدّمت صورة منقوصة في التغطية الإعلامية، التي اكتفت بالإشارة إلى أن 65% يؤيدون تكافؤ فرص العمل بين الجنسين. لكن التقرير الأصلي يضيف معطيات أكثر إثارة للقلق، إذ يرى 76% أن الرجال أفضل من النساء في القيادة السياسية، و69% يرون أن للرجل القول الفصل في جميع القرارات الأسرية، وهي نسبة ارتفعت ست عشرة نقطة مئوية عن 2023. في ملف المياه والبيئة، نشرت بعض الوسائل أن 30% يرون نقص المياه أخطر مشكلة بيئية، لكن التقرير الأصلي يقول إن 57% يذكرون ندرة المياه أو تلوثها كأخطر مشكلة بيئية، بارتفاع عشر نقاط عن 2023 , الرقم 30% هو نسبة مَن يشيرون إلى نقص الموارد المائية فقط، دون احتساب مَن يشيرون إلى تلوث مياه الشرب بنسبة 26% أو تلوث الأنهار والبحيرات بنسبة 2% , التقرير يجمعها في 57%.غزة والتطبيع حضرا في التغطية الإعلامية عبر الإشارة إلى أن 91% يعتبرون الأردن أكثر الدول التزامًا بالدفاع عن القضية الفلسطينية، لكن التقرير الأصلي يكشف عن مواقف أوسع : فسبعون بالمئة يصفون أحداث غزة بأنها إبادة جماعية بنسبة 46% أو مجزرة بنسبة 24%. وسبعة وستون بالمئة يعارضون التطبيع مع إسرائيل حتى لو اعترفت بدولة فلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، و53% يعارضون التطبيع بشدة. بينما تسعة وثمانون بالمئة قاطعوا شركات تدعم إسرائيل، و23% قدّموا تبرعات مالية، و18% شاركوا رسائل تضامن عبر وسائل التواصل، و11% شاركوا في احتجاجات أو فعاليات تضامنية , وخمسة وتسعون بالمئة يحملون آراءً سلبية نحو إسرائيل، و86% يرون أن الولايات المتحدة أكثر التزامًا بالدفاع عن إسرائيل.الديمقراطية لم تبرز في التغطية الإعلامية، لكن التقرير الأصلي يكشف أن 57% يقولون إن الديمقراطية تظل دائمًا أفضل من أي شكل آخر من الحكم، و86% يرون أنها أفضل رغم مشاكلها , لكن عند سؤالهم عن أهم عنصر في الديمقراطية، جاءت المساواة أمام القانون أولًا بنسبة 26%، ثم توفير الاحتياجات الأساسية بنسبة 22%، ثم غياب الفساد بنسبة 18%، ثم الحقوق المدنية بنسبة 14%. أما القدرة على اختيار القادة عبر الانتخابات فلم تحصل إلا على 8% فقط , و هذا تعريف مختلف جذريًا عن التعريف الإجرائي للديمقراطية.الفساد لم يبرز إعلاميًا، لكن التقرير الأصلي يقول إن 83% يرون أن الفساد موجود في مؤسسات الدولة بدرجة كبيرة أو متوسطة , و 55% يعتقدون أن الحكومة تعمل على مكافحته، بزيادة تسع نقاط عن 2023، وعشرين نقطة عن 2022 حين كانت 35% , و هذا مسار تعافٍ تدريجي يستحق الذكر.العلاقات الدولية غابت تمامًا عن التغطية الإعلامية، مع أن التقرير الأصلي يرسم خريطة كاملة , تقييمات إيجابية لقطر بنسبة 77%، والسعودية 70%، وتركيا 69%، والصين 62%، والإمارات 59%, مع تقييمات منخفضة للاتحاد الأوروبي 46%، وألمانيا 45%، وروسيا 43%، وفرنسا 39%، والولايات المتحدة 26%، وإيران 24%، وإسرائيل 4% فقط. وعند المقارنة المباشرة بين الصين وأمريكا، تفوقت الصين في جميع القضايا : التنمية الاقتصادية بنسبة 47% مقابل 14%، والأمن الإقليمي 43% مقابل 9%، والصراع الفلسطيني-الإسرائيلي 43% مقابل 10%، وتغير المناخ 36% مقابل 14%، وحماية الحريات 35% مقابل 19%..الاختلاف بين التقرير الأصلي والتغطية الإعلامية ليس بالضرورة نتيجة تضليل متعمد، بل يعكس انتقائية تحريرية شائعة في تغطية استطلاعات الرأي. فالعناوين تبحث عن الأخبار الإيجابية، وارتفاع الثقة بالحكومة هو خبر قابل للنشر، بينما انعدام الأمن الغذائي والهجرة والتراجع في الحريات أقل جاذبية إعلاميًا. والسياق يُحذف فرقم مثل 27% يرون الاقتصاد جيدًا يبدو إيجابيًا إذا حُذف السياق أن 73% يرونه سيئًا. والأرقام المجتزأة كنسبة 30% للمياه، تبدو أقل إثارة للقلق من 57%، لكنها لا تعكس الصورة الكاملة. والمواضيع الحساسة تُتجنب، مثل الهجرة والتطبيع وتراجع الحريات والعنف ضد النساء، وكلها مواضيع قد لا تجد طريقها إلى العناوين الرئيسية.الاستطلاع الأصلي ليس سيئًا ولا مزورًا، بل هو أكثر توازنًا وعمقًا من التغطية الإعلامية. وهو يقدم صورة مركّبة: تحسن نسبي في الثقة بالحكومة والخدمات العامة، لكن مع استمرار ضغوط اقتصادية حادة، وتراجع في الحريات المدنية، ورغبة واسعة في الهجرة، ومواقف حاسمة من غزة والتطبيع. القراءة الانتقائية لا تكذب، لكنها لا تقول الحقيقة كاملة , والمشكلة ليست في الأرقام، بل في ما يُقال وما لا يُقال عنها.الاستطلاع الأصلي والتغطية الإعلامية: قراءتان مختلفتان
مدار الساعة ـ