أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة الموقف جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

متواريا عن الأنظار.. وحزب الأمة


د. نضال المجالي

متواريا عن الأنظار.. وحزب الأمة

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ

في السياسة، لا تكفي الشعارات لتقديم الأحزاب للناس، ولا تكفي العناوين الكبيرة لإثبات الالتزام بالمبادئ، الامتحان الحقيقي لأي حزب يبدأ عندما تتعارض المصلحة السياسية مع مقتضيات القانون، وعندما يصبح احترام القواعد أصعب من الحديث عنها.

من هنا، تبدو قضية النائب المفصول المتواري عن الأنظار بعد صدور حكم قضائي بحقه اختباراً حقيقياً لحزب الأمة، ليس فقط للنائب المعني، وإنما للحزب الذي اختاره وقدمّه للناس بوصفه ممثلاً لهم تحت قبة البرلمان.

السؤال هنا ليس: أين النائب فقط؟ فهذا شأن تتولاه الجهات المختصة، والقضاء له أدواته وإجراءاته، السؤال السياسي والأخلاقي الأوسع هو: كيف يختار حزب الأمة نوابه؟ وما هي المعايير التي يعتمدها في اختيار من سيمثله ويمثل المواطنين؟

هل تقتصر معايير الاختيار على الولاء السياسي والتنظيمي، أم أن احترام القانون وسيادة الدولة والالتزام بأحكام القضاء جزء أصيل من عملية الاختيار؟

وهنا لا بد من سؤال أكثر وضوحاً: عندما يؤدي النائب قسمه، هل يقسم على الولاء لفكر الحزب ومبادئه فقط، أم أن القسم، قبل كل شيء، يفترض احترام الدستور والقانون ومؤسسات الدولة؟

لا أحد يطالب الحزب بإصدار حكم على نائبه، فهذه ليست مهمته، ولا يجوز أصلًا أن يتحول الخلاف السياسي إلى محاكمة شعبية، لكن من حق الرأي العام أن يعرف موقف الحزب من واقعة التواري عن تنفيذ حكم قضائي، وأن يسمع موقفاً واضحاً لا يحتمل التأويل.

هل يتواصل الحزب مع النائب؟ هل يعرف موقفه؟ هل نصحه بتسليم نفسه واحترام حكم القضاء؟ وهل يعتبر أن تنفيذ الأحكام القضائية شأن لا يحتمل المساومة السياسية؟

هذه الأسئلة ليست استهدافاً لحزب بعينه، بقدر ما هي اختبار لمفهوم العمل الحزبي نفسه.

فالحزب الذي يرفع راية العدالة لا يستطيع أن يتعامل معها باعتبارها مبدأً يصلح للخطابات والمنشورات، ثم يصبح المبدأ محل نقاش عندما يقترب من أحد كوادره أو نوابه.

والأكثر إيلاماً أن بعض الخطابات السياسية التي تستند إلى الدين كثيراً ما تقدم أصحابها باعتبارهم حراساً للأخلاق والقيم، لكن القيم لا تُختبر في المواعظ، بل في المواقف الصعبة، والالتزام بالقانون لا يحتاج إلى خطبة، وإنما إلى شجاعة الوقوف أمام نتائجه، حتى عندما لا تكون النتائج مريحة.

وهنا تتكشف حقيقة مهمة: البطولة السياسية ليست أن تتحدث عن العدالة عندما تكون بعيداً عنها، وإنما أن تحترمها عندما تصبح أنت أو أحد المقربين منك طرفاً فيها.

لذلك، فإن قضية النائب السابق لحزب الأمة والمتواري عن الأنظار ينبغي ألا تختزل في شخصه، السؤال الأهم يتعلق بالأحزاب التي تختار المرشحين، وتمنحهم ثقتها، وتطلب من المواطنين انتخابهم.

كيف تختارون نوابكم؟ وما الذي يعنيه لديكم الولاء للحزب إذا تعارض مع واجب احترام القانون؟ وهل يمكن لحزب أن يطالب الدولة بتطبيق القانون على الآخرين، ثم يتردد في اتخاذ موقف واضح عندما يتعلق الأمر بأحد نوابه؟

لا أحد يريد من الأحزاب أن تكون محاكم، ولا من النواب أن يكونوا معصومين من الخطأ، المطلوب أبسط من ذلك بكثير: موقف واضح من سيادة القانون.

فالديمقراطية لا تُقاس فقط بعدد النواب الذين يصلون إلى البرلمان، وإنما بمدى احترام هؤلاء النواب والمؤسسات التي ينتمون إليها للقواعد التي تحكم الدولة.

وفي النهاية، قد يختفي نائب عن الأنظار، لكن لا ينبغي أن تختفي معه الأسئلة. أين النائب؟ هذا سؤال الجهات المختصة، أما كيف أصبح نائباً؟ ولماذا اختاره الحزب؟ وما موقف الحزب من احترام حكم القضاء؟ فهذه أسئلة الرأي العام.

والإجابة عنها هي التي ستحدد إن كانت العدالة عند حزب الأمة مبدأً ثابتاً.. أم شعاراً جميلاً لا يصمد أمام أول اختبار.

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ