أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مناسبات مستثمرون شهادة الموقف أحزاب جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

ماذا تقيس استطلاعات الرأي عن أمريكا في الأردن؟


د. سعود الشرفات
مدير مركز شُرُفات لدراسات وبحوث العولمة والإرهاب في عمان الأردن

ماذا تقيس استطلاعات الرأي عن أمريكا في الأردن؟

د. سعود الشرفات
د. سعود الشرفات
مدير مركز شُرُفات لدراسات وبحوث العولمة والإرهاب في عمان الأردن
مدار الساعة ـ
ماذا تقيس استطلاعات الرأي عن أمريكا
بين صورة واشنطن في الوعي العام وقيمة الشراكة الأردنية الأمريكية

تستحق نتائج استطلاعات الرأي التي تقيس نظرة الأردنيين إلى الولايات المتحدة قراءة أكثر دقة وعمقاً مما توحي به العناوين والنسب المئوية المجردة، ليس لأن نتائج هذه الاستطلاعات خاطئة أو لأن من يحملون موقفاً سلبياً من الولايات المتحدة لا يملكون أسباباً سياسية أو أخلاقية واضحة لذلك، وإنما لأن السؤال المنهجي الأهم الذي ينبغي طرحه قبل استخدام هذه النتائج في النقاش السياسي هو ماذا تقيس هذه الأرقام فعلاً، وما الذي يجوز لنا أن نستنتجه منها، وما الذي لا يجوز لنا أن نستنتجه.

وهذه المسألة تكتسب أهمية خاصة في الحالة الأردنية، لأن نتائج الدورة التاسعة للباروميتر العربي، التي أُجري العمل الميداني الخاص بها في الأردن في أكتوبر 2025م ونُشرت نتائجها في 2026م ، تشير صراحة إلى أن الحرب في غزة ما تزال تشكل عاملاً رئيسياً في تشكيل آراء الأردنيين تجاه الولايات المتحدة.
ويذهب التقرير الأردني الكامل إلى أبعد من ذلك، إذ يخلص إلى أن الأردنيين يقيمون علاقاتهم الخارجية من خلال عدسات رئيسية، من بينها مدى اعتبارهم القوى الدولية واقفة إلى جانب الفلسطينيين في سياق حرب غزة.
ولذلك فإن انخفاض شعبية الولايات المتحدة في الأردن لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق السياسي الذي تشكلت فيه هذه المواقف، ولا سيما الموقف الأمريكي من الحرب في غزة ومن إسرائيل. وهذا ليس استنتاجاً خارجياً مفروضاً على بيانات الاستطلاع، بل جزء من الإطار التفسيري الذي يقدمه الباروميتر العربي نفسه لنتائجه.

عندما يُسأل المواطن الأردني إن كانت نظرته إلى الولايات المتحدة إيجابية أم سلبية فإن السؤال يقيس موقفاً عاماً تجاه الولايات المتحدة، لكنه لا يحدد بالضرورة المرجعية التي استخدمها المستجيب في تكوين هذا الموقف.
فقد يكون بصدد تقييم الولايات المتحدة كدولة، أو سياستها الخارجية، أو موقفها من إسرائيل وفلسطين، أو دورها في حرب غزة، أو موقف الإدارة الأمريكية من الحكومة الإسرائيلية، أو مجمل صورة واشنطن في المنطقة. وهذه ليست فروقاً لغوية بسيطة، وإنما فروق منهجية أساسية، لأن الإجابة التي نحصل عليها تتوقف إلى حد كبير على السؤال الذي طرحناه وعلى الإطار الذي وضعناه للمستجيب.
وفي الحالة الأردنية تحديداً لا يمكن تجاهل الوزن السياسي والاجتماعي والتاريخي للقضية الفلسطينية، ولا أثر حرب غزة والسياسة الأمريكية تجاه إسرائيل في تشكيل صورة واشنطن لدى الرأي العام.
وقد أظهرت نتائج الباروميتر العربي بالفعل أن الحرب في غزة مستمرة في تشكيل مواقف الأردنيين تجاه الولايات المتحدة والتطبيع مع إسرائيل، وأن الولايات المتحدة ما تزال شديدة عدم الشعبية في الأردن.

وهذا أمر مفهوم ومشروع تماماً، ولا ينبغي التعامل معه باستخفاف أو محاولة نفيه.
فمن حق المواطن الأردني أن يحكم على دولة أجنبية من خلال موقفها من قضية يعتبرها جوهرية سياسياً وأخلاقياً وإنسانياً، ومن الطبيعي أن تؤثر سياسات واشنطن تجاه إسرائيل وفلسطين والحرب في غزة في صورة الولايات المتحدة لدى الأردنيين. بل إن تجاهل هذا العامل سيكون هو نفسه قراءة غير علمية للرأي العام.
لكن قبول النتيجة بوصفها مؤشراً صحيحاً على صورة الولايات المتحدة لا يعني قبول كل استنتاج سياسي يمكن أن يُبنى عليها، وهنا تحديداً تبدأ المشكلة الحقيقية التي تستحق نقاشاً أوسع من مجرد الحديث عن ارتفاع أو انخفاض شعبية أمريكا.

إذا أظهر استطلاع أن غالبية الأردنيين تنظر إلى الولايات المتحدة بصورة سلبية، فإن هذه النتيجة قد تكون صحيحة تماماً ومنهجية تماماً، ولا يوجد ما يبرر التشكيك في نزاهة الاستطلاع لمجرد أن النتيجة غير مريحة لبعض الأطراف.
لكن الانتقال من هذه النتيجة إلى استنتاج مختلف تماماً، مثل أن الأردنيين يرفضون العلاقة الأردنية الأمريكية أو يرون أن الشراكة مع الولايات المتحدة لا تخدم مصالح الأردن، هو انتقال يحتاج إلى دليل إضافي، لأن السؤالين ليسا واحداً. المواطن الذي يقول إنه يحمل موقفاً سلبياً من الولايات المتحدة قد يكون في الحقيقة يقول إنه يرفض السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل وفلسطين، أو يعارض موقف واشنطن من حرب غزة، أو يرى أن الولايات المتحدة تتبنى سياسة خارجية منحازة إلى إسرائيل.
وهذه إجابة سياسية واضحة ومشروعة، لكنها لا تجيب بالضرورة عن سؤال آخر هو هل يرى هذا المواطن أن التعاون الأردني الأمريكي يخدم أمن الأردن ومصالحه الوطنية.

وهنا تكمن المسألة المنهجية الأساسية التي ينبغي عدم تجاوزها.
الموقف من دولة أجنبية ليس بالضرورة موقفاً من العلاقة معها، والموقف من سياستها الخارجية ليس بالضرورة حكماً على منفعة التعاون معها.
يستطيع المواطن الأردني أن يكون شديد الانتقاد للسياسة الأمريكية تجاه فلسطين وإسرائيل، وأن يرى أن واشنطن أخفقت سياسياً أو أخلاقياً في التعامل مع حرب غزة، وفي الوقت نفسه يعتقد أن التعاون الدفاعي والأمني والاستخباري والاقتصادي مع الولايات المتحدة يخدم مصالح الأردن.
ويمكنه أن يرفض سياسة واشنطن تجاه القضية الفلسطينية، لكنه يؤيد استمرار التعاون معها عندما يتعلق الأمر بأمن المملكة ومكافحة الإرهاب وحماية الحدود والتدريب العسكري والتسليح والتعاون الاستخباري والاستقرار الاقتصادي.
ولا يوجد أي تناقض منطقي في ذلك، لأن الإنسان يستطيع أن يفصل بين حكمه السياسي والأخلاقي على سياسة دولة وبين حكمه العملي على فائدة التعاون معها.

ومن هنا يصبح من الضروري التمييز بين ثلاثة متغيرات مختلفة كثيراً ما تختلط في النقاش العام، وهي صورة الولايات المتحدة لدى الأردنيين، وتقييمهم للسياسة الخارجية الأمريكية، وتقييمهم للعلاقة الأردنية الأمريكية.
قد تكون صورة الولايات المتحدة سلبية جداً بسبب غزة وفلسطين وسياسات إسرائيل، وقد يكون تقييم السياسة الأمريكية في هذه القضايا أكثر سلبية، ومع ذلك قد يرى المواطن نفسه أن بعض أشكال التعاون الأردني الأمريكي ضرورية أو مفيدة للأردن.
بل إن هذا الموقف المركب قد يكون أكثر واقعية من محاولة وضع المواطن في خانة مؤيد لأمريكا أو معارض لها، لأن العلاقات الدولية نفسها لا تعمل بهذه الثنائية المبسطة.
الدول لا تبني شراكاتها على أساس الحب والكراهية، وإنما على أساس المصالح والتهديدات والقدرات والاعتماد المتبادل والبدائل المتاحة وتوازنات القوة.

ولهذا يصبح تصميم السؤال نفسه مسألة مركزية. فإذا كان الهدف معرفة صورة الولايات المتحدة في الرأي العام الأردني، فإن سؤالاً عاماً عن النظرة الإيجابية أو السلبية يمكن أن يكون مناسباً. أما إذا كان الهدف معرفة موقف الأردنيين من العلاقة الأردنية الأمريكية، فإن السؤال السابق لا يكفي.
ينبغي عندها أن نسألهم مباشرة عما إذا كانوا يرون أن التعاون الدفاعي مع الولايات المتحدة يخدم أمن الأردن، وما إذا كانوا يؤيدون استمرار التعاون العسكري والاستخباري، وما إذا كانوا يرون أن المساعدات العسكرية والاقتصادية الأمريكية مهمة للاستقرار الأردني، وما إذا كانوا يعتقدون أن الشراكة مع واشنطن تعزز قدرة الأردن على مواجهة التهديدات الإقليمية، وما إذا كانوا يرون أن تراجع مستوى هذا التعاون سيجعل الأردن أكثر أمناً أو أقل أمناً.
عندها فقط نكون قد بدأنا بقياس العلاقة نفسها بدلاً من استخدام مؤشر آخر باعتباره بديلاً عنها.

وهنا تظهر نقطة أخرى لا تقل أهمية، وهي الخطأ في التعامل مع التركيبة الديموغرافية للمجتمع الأردني وكأن وجود أردنيين من أصول فلسطينية في العينة يمثل مشكلة منهجية بحد ذاته.
هؤلاء مواطنون أردنيون، ومن الطبيعي أن يكونوا جزءاً من أي عينة وطنية تمثيلية، ولا توجد مشكلة علمية في ذلك.
السؤال الأكثر أهمية ليس من أي أصل جاء المستجيب، وإنما ما العوامل التي شكلت إجابته، وما السؤال الذي نريد استخدام إجابته للإجابة عنه. فإذا كانت القضية الفلسطينية والحرب في غزة والسياسة الأمريكية تجاه إسرائيل عوامل مركزية في تشكيل الموقف من الولايات المتحدة، فإن النتيجة الإجمالية للاستطلاع قد تعكس بدرجة كبيرة تقييماً للسياسة الأمريكية في هذه الملفات.
وهذا لا يجعل النتيجة خاطئة، لكنه يضع حدوداً واضحة لما يمكن استنتاجه منها.
فإذا كان المواطن يقول إنه يرفض السياسة الأمريكية تجاه فلسطين وإسرائيل، فلا يجوز تحويل هذه الإجابة تلقائياً إلى أنه يرفض الشراكة الأردنية الأمريكية، لأن الثانية استنتاج جديد يحتاج إلى سؤال جديد.

لكن هناك جانباً آخر أكثر خطورة في هذه المسألة، ويتجاوز الخطأ المنهجي في تفسير نتائج الاستطلاعات إلى طريقة استخدامها سياسياً وإعلامياً.
فالمشكلة لا تبدأ عندما يقول الاستطلاع إن صورة الولايات المتحدة سلبية لدى الأردنيين، وإنما عندما تُنتزع هذه النتيجة من سياقها وتُستخدم لإصدار حكم على جدوى العلاقة الأردنية الأمريكية نفسها. عندها تتحول النتيجة من مؤشر على المزاج الشعبي إلى مادة يمكن استخدامها لبناء سردية سياسية تقول إن الأردنيين لا يحبون الولايات المتحدة رغم ما تقدمه لهم من دعم ومساعدات، وبالتالي فإن العلاقة لا تحظى بقبول شعبي، أو إن الولايات المتحدة لا تحصل على عائد استراتيجي كاف من استمرار دعمها للأردن.
وقد تُستخدم السردية نفسها داخل الأردن من زاوية مختلفة للتشكيك في جدوى الشراكة مع واشنطن بحجة أن هذه العلاقة لا تحظى بتأييد شعبي وأن استمرارها لا يعكس موقف المجتمع الأردني.

وهنا تحديداً يصبح استخدام نتائج الاستطلاع سلبياً ومؤذياً، لأنه ينقلها من مجال قياس الرأي العام إلى مجال إصدار حكم على علاقة استراتيجية من دون قياس المتغير الذي نريد الحكم عليه.
وفي الولايات المتحدة يمكن أن تُستخدم الأرقام لإثارة سؤال مشروع في ظاهره، لكنه يقوم على أساس استدلالي ناقص: لماذا تستمر واشنطن في تقديم هذا المستوى من الدعم والمساعدات للأردن إذا كان الرأي العام الأردني ينظر إليها بصورة سلبية؟ وفي الأردن يمكن أن تُستخدم الأرقام في الاتجاه المعاكس للتشكيك في قيمة العلاقة نفسها والقول إن الشراكة لا تحظى بالقبول الشعبي.
وفي الحالتين يتم تحويل نتيجة تتعلق بصورة الولايات المتحدة إلى حكم على قيمة الشراكة الأردنية الأمريكية، وهو أمر لا تثبته النتيجة بذاتها.

المشكلة في هذا الاستخدام ليست فقط أنه يتجاهل طبيعة العلاقات الاستراتيجية، وإنما أنه يفترض ضمناً أن قيمة العلاقة تقاس بشعبية الدولة الشريكة لدى الرأي العام. وهذا معيار غير كاف للحكم على التحالفات والشراكات الدولية.
فالولايات المتحدة لا تقيم علاقاتها مع الدول لأنها محبوبة فيها، كما أن الأردن لا يقيم شراكته مع الولايات المتحدة على أساس أن الأمريكيين يجب أن يكونوا محبوبين لدى الأردنيين.
العلاقات الاستراتيجية تقوم على المصالح المتبادلة والقدرات والموقع الجغرافي والأمن الإقليمي والاستخبارات والدفاع ومكافحة الإرهاب وحماية الحدود وإدارة الأزمات والاستقرار السياسي والمصالح الاقتصادية والجيوسياسية، وغيرها من العوامل التي قد تكون أهم بكثير من مستوى شعبية دولة لدى الرأي العام في دولة أخرى.

وفي الحالة الأردنية تحديداً، فإن قيمة الشراكة بالنسبة إلى الولايات المتحدة لا تختفي لمجرد أن صورة الولايات المتحدة لدى الجمهور الأردني سلبية، كما أن قيمة الدعم الأمريكي للأردن لا تقاس بعدد الأردنيين الذين يحملون صورة إيجابية عن الولايات المتحدة.
هذه ليست صفقة علاقات عامة، وليست علاقة تقوم على شراء الشعبية مقابل المساعدات، وإنما علاقة استراتيجية لها مصالح وحسابات متبادلة تتجاوز بكثير مؤشر الشعبية. وفي الوقت نفسه لا ينبغي تحويل هذه الحقيقة إلى حجة ضد الرأي العام الأردني أو إلى مطالبة ضمنية للأردنيين بأن يكونوا أكثر إيجابية تجاه الولايات المتحدة بسبب الدعم الذي تقدمه واشنطن للأردن.
فالمساعدات ليست عقد ولاء سياسي، وليست عمل خيري (من أجل سود عيون الأردنيين) والامتنان الشعبي ليس معياراً استراتيجياً لنجاح التحالف، كما أن انخفاض الشعبية لا يعني أن الدعم أو التعاون لا قيمة له.

قد تقدم دولة دعماً كبيراً لحليف، وفي الوقت نفسه يعارض جزء كبير من شعب ذلك الحليف سياساتها في قضية أخرى يعتبرها أكثر أهمية. وقد يرى المواطن أن الدعم العسكري والاقتصادي والأمني مفيد لبلده، لكنه يرفض بشدة سياسة الدولة الداعمة في ملف سياسي أو أخلاقي محدد. ولا يوجد في ذلك تناقض.
بل إن قدرة الرأي العام على الفصل بين الموقف من سياسة دولة وبين تقييم فائدة التعاون معها قد تكون مؤشراً أكثر واقعية على طبيعة الموقف الشعبي من مجرد وضع المواطنين في خانة مؤيد أو معارض للولايات المتحدة.
ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس لماذا لا يحب الأردنيون أمريكا رغم ما تقدمه لهم، وإنما ماذا يعتقد الأردنيون أن هذه العلاقة تحقق لهم، وما إذا كانوا يريدون استمرارها في المجالات التي يرون أنها تخدم مصالحهم.

وهنا أيضاً يجب التوقف أمام حقيقة أن السياسة الخارجية والعلاقات الدولية لا تُقاس فقط بمستوى شعبيتها، وأن العلاقات الاستراتيجية لا تقوم فقط على الانطباعات العامة. هناك الأمن والدفاع والاستخبارات ومكافحة الإرهاب والتهريب وأمن وحماية الحدود والتدريب العسكري والتسليح والاقتصاد والطاقة والمياه والتعليم والمساعدات العسكرية ودعم الموازنة والمصالح الجيوسياسية، وكلها عناصر ملموسة في قدرة الدولة على إدارة بيئتها الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية. وقد يرى المواطن أن دولة ما تتبنى سياسة خارجية يرفضها بشدة، لكنه في الوقت نفسه يرى أن التعاون معها يظل ضرورياً أو مفيداً لبلده. ولذلك فإن انخفاض شعبية الولايات المتحدة لا يعني بالضرورة انخفاض القيمة الاستراتيجية للعلاقة معها، كما أن ارتفاع شعبية دولة أخرى لا يعني بالضرورة أن التحالف معها يخدم المصلحة الوطنية.

وهذا يقودنا إلى نقطة أعمق، وهي أن الرأي العام ليس بالضرورة مرآة كاملة للمصلحة الوطنية. الرأي العام مهم للغاية ويجب أن يؤخذ بجدية، لكنه ليس مرادفاً للمصلحة الوطنية، ولا يمكن اختزال السياسة الخارجية للدولة في الانطباعات الشعبية عن الدول الأخرى. المواطن يحكم من موقعه السياسي والأخلاقي والاجتماعي ومن تجربته ومخاوفه واهتماماته، بينما تضطر الدولة إلى النظر أيضاً إلى توازنات القوة والتهديدات والحدود والاقتصاد والطاقة والتحالفات والقدرات العسكرية والأمنية والخيارات والبدائل المتاحة. وليس المطلوب وضع الرأي العام في مواجهة الدولة أو التقليل من أهميته، بل المطلوب وضعه في مكانه الصحيح وقياسه بدقة وعدم تحميله أكثر مما يستطيع أن يقول.

ومن هنا فإن القراءة الصحيحة لنتائج استطلاعات الرأي ليست مهاجمتها ولا التشكيك في نزاهتها. فالاستطلاع قد يكون قد قاس ما صُمم لقياسه بدقة كاملة. المشكلة تبدأ عندما نستخدم نتيجة صحيحة للإجابة عن سؤال لم يُطرح. فإذا أظهر استطلاع الباروميتر العربي أن غالبية الأردنيين تنظر إلى الولايات المتحدة بصورة سلبية، فهذا دليل مهم على صورة أمريكا في الوعي العام الأردني وعلى أثر الحرب في غزة والسياسة الأمريكية تجاه إسرائيل في تشكيل هذه الصورة. لكنه لا يكفي وحده للإجابة عن سؤال مختلف تماماً، وهو هل يرى الأردنيون أن الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة تخدم المصلحة الوطنية الأردنية. والفرق بين السؤالين ليس تفصيلاً أكاديمياً، بل فارق يمكن أن ينتج عنه استنتاج سياسي واستراتيجي مختلف تماماً.

ولهذا فإنني لا أرى أن السؤال الأكثر أهمية هو هل يحب الأردنيون أمريكا أم لا. هذا سؤال سهل، لكنه ليس بالضرورة السؤال الأكثر فائدة للأردن أو للولايات المتحدة. السؤال الأكثر أهمية ومن عيون أردنية صافية ويقظة هو هل يعتقد الأردنيون أن الولايات المتحدة، رغم اعتراضهم على بعض سياساتها، ما تزال شريكاً يخدم مصالح الأردن الوطنية الآن وفي المستقبل. وهل يرون أن التعاون الدفاعي والأمني والاستخباري معها يعزز أمن المملكة، وهل يريدون استمرار هذا التعاون، وهل يعتقدون أن الدعم العسكري والاقتصادي الأمريكي ما يزال مهماً، وهل يرون أن تقليص هذه الشراكة سيجعل الأردن أكثر أمناً أم أقل أمناً. وقد تكون الإجابة نعم في بعض المجالات ولا في مجالات أخرى، وهذا ليس تناقضاً ولا نتيجة مربكة، وإنما قد يكون الوصف الأكثر واقعية لموقف مجتمع يعيش في منطقة معقدة ويوازن بين مواقف سياسية ومصالح وطنية في الوقت نفسه.

في النهاية، فإن المشكلة ليست في أن الأردنيين يحملون آراء سلبية تجاه الولايات المتحدة، ولا في أن استطلاع الباروميتر العربي أظهر هذه الحقيقة، ولا في أن الحرب في غزة والسياسة الأمريكية تجاه إسرائيل أسهمتا في تشكيل هذا الموقف. المشكلة تبدأ عندما ننتقل من هذه الحقيقة إلى حقيقة أخرى لم يقسها الاستطلاع ثم نتعامل معها وكأنها نتيجة مباشرة له. صورة أمريكا شيء، وتقييم السياسة الأمريكية شيء، وتقييم الشراكة الأردنية الأمريكية شيء ثالث. وإذا لم يميز الاستطلاع بين هذه المستويات، فلا يجوز لنا أن نفعل ذلك نيابة عنه، ولا أن نستخدم نتيجة واحدة للحكم على علاقة استراتيجية كاملة.

بل إن الخطر الأكبر يكمن في أن سوء تفسير النتائج يمكن أن يخدم سرديتين متعاكستين، ولكنهما تلتقيان في النتيجة نفسها. يمكن أن يُقال داخل الأردن إن استمرار الشراكة مع واشنطن لا معنى له ما دام الأردنيون ينظرون إلى أمريكا بصورة سلبية، ويمكن أن يُقال في الولايات المتحدة لماذا تستمر واشنطن في تقديم هذا الحجم من الدعم للأردن إذا كان الرأي العام الأردني لا ينظر إليها بإيجابية. وفي الحالتين يجري تجاهل السؤال الأكثر أهمية، وهو ما إذا كان الأردنيون يرون أن هذه الشراكة تخدم مصالحهم، وما إذا كانت الولايات المتحدة ترى أن الأردن يخدم مصالحها الاستراتيجية. وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن يُناقش على أساس المصالح والنتائج والقدرات، وليس على أساس مؤشر واحد للشعبية.

لذلك فإن المطلوب ليس استطلاعاً أكثر إيجابية تجاه الولايات المتحدة، وإنما استطلاع يقيس المتغير الصحيح. فإذا أردنا معرفة صورة أمريكا في الأردن فلنقيسها كما هي، وإذا أردنا معرفة الموقف من السياسة الأمريكية تجاه فلسطين وإسرائيل فلنسأل عنه مباشرة، وإذا أردنا معرفة قيمة الشراكة الأردنية الأمريكية في نظر الأردنيين فعلينا أن نسألهم عنها مباشرة أيضاً. عندها فقط يمكن أن ننتقل من الانطباعات العامة إلى فهم أكثر دقة لتركيب الرأي العام الأردني، ومن ثم إلى نقاش أكثر نضجاً حول مستقبل العلاقة.

فالمسألة في النهاية ليست حب أمريكا أو كراهيتها، وليست مقدار الامتنان الشعبي للمساعدات الأمريكية، وليست أيضاً الدفاع عن الولايات المتحدة أو مهاجمتها. المسألة هي أن علينا أن نعرف بالضبط ماذا نقيس قبل أن نقرر ماذا تعني الأرقام. وإذا كان السؤال الذي طُرح على الأردنيين هو كيف تنظرون إلى الولايات المتحدة، فإن الإجابة يجب أن تُستخدم لفهم صورة الولايات المتحدة. أما إذا أردنا أن نعرف هل يرى الأردنيون أن العلاقة الأردنية الأمريكية تخدم مصالحهم، فإن علينا أن نسألهم هذا السؤال مباشرة.

لأننا إذا لم نفعل ذلك، فإننا لا نكون قد اكتشفنا رأي الأردنيين في العلاقة الأردنية الأمريكية، وإنما نكون قد استنتجناه بالنيابة عنهم. وهنا تحديداً تكمن المشكلة المنهجية والسياسية والاستراتيجية في آن واحد.

مدار الساعة ـ