أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

تهجير الفلسطينيين بين توقيتين


ماهر ابو طير

تهجير الفلسطينيين بين توقيتين

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ

بريطانيا التي أطلقت وعد بلفور عام 1917 وتعهدت بوطن قومي لليهود في فلسطين، لم تستطع أن تقف مكتوفة الأيدي إزاء ما يجري في الضفة الغربية وغزة والقدس في عام 2026.

سمعة إسرائيل في العالم الغربي ليست كما كانت، وهذه إحدى نتائج الحرب، وقد رأينا مواقف عدة لإسبانيا ودول أوروبية أخرى أدانت إسرائيل في مراحل مختلفة، ورأينا أيضا مئات الآلاف في شوارع المدن الأوروبية يهتفون ضد الاحتلال، ولم نر مثل هذه المظاهرات في أغلب الدول العربية والإسلامية، وكأن الغاضبين المفترضين من العرب والمسلمين، يقولون ما لنا وهذه الحرب الدموية؟

تخرج دولة كبرى مثل بريطانيا وتفرض عقوبات على إسرائيل مثل حظر بضائع المستوطنات، وتفرض عقوبات على الشركات والأفراد، الذين يقدمون خدمات البناء، والتمويل، والبنية التحتية، أو العقارات المخصصة لتوسيع المستوطنات، مع رفض كافة طلبات التراخيص المتعلقة بتصدير الأسلحة أو المنتجات التي تساهم في دعم الاحتلال، مكملاً قراراً سابقاً بتعليق أكثر من 30 رخصة لتصدير السلاح، ومع هذا اتهام الخارجية البريطانية إسرائيل رسمياً بـ"غض الطرف" عن "تطهير عرقي" ينفذه مستوطنون متطرفون بحق المجتمعات الفلسطينية في الضفة الغربية.

هذه حالة فريدة في أوروبا، وبين دول العالم، ستكون لها تداعياتها في دول أخرى في دول أوروبية، ولسنا أمام موقف دعائي، ومن حقنا أن نتابع هنا تنفيذ العقوبات، حتى لا تكون مجرد تسجيل لموقف.

بالمقابل، أعلنت إسرائيل سلسلة إجراءات ضد بريطانيا، من بينها إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية ومنع دبلوماسيين بريطانيين من دخول البلاد، وطرد دبلوماسيين عاملين، وإنهاء مشاركة بريطانيا في مركز التنسيق المدني العسكري بشأن قطاع غزة في كريات غات، وإغلاق مكتب التمثيل الأمني البريطاني في رام الله، بما يشير إلى جملة إجراءات إسرائيلية إضافية قد تكون مقبلة قريبا.

هذا الائتلاف الدولي ضد سياسات التهجير والإبادة في الضفة الغربية وغزة يضم دولا أخرى مثل فرنسا وكندا، وإسبانيا وهولندا والنرويج، وأيرلندا وبلجيكا، وكلها فرضت حظراً أو بدأت إجراءات فعلية، وهناك دول تعهدت بذات الإجراءات أو دعم الإجراءات التي تمت مثل الدنمارك، وفنلندا، وأيسلندا، وبولندا، والبرتغال، والسويد، فيما الموقف الألماني كان معيبا جدا، وسط نقد هائل لموقفها في الشرق الأوسط، والنظرة إليها بعد سنوات من المذبحة التي تعرضت لها غزة ومدن الضفة الغربية.

اللافت هنا تصريحات وزير الخارجية البريطاني الذي قال إن بريطانيا لن تبقى صامتة إزاء التهجير القسري للفلسطينيين، وهذا التصريح البريطاني مهم ويجب على المنطقة العربية والإسلامية الاستثمار فيه، لأننا أمام تهجير متواصل في قطاع غزة، وتهجير متدرج غير معلن حتى الآن في الضفة الغربية، بما يهدد حياة واستقرار أكثر من 5 ملايين فلسطيني في غزة والضفة والقدس.

هل جاء الموقف البريطاني تعبيرا عن حرج سياسي من المأساة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، أم أننا أمام تحرك متأخر لوقف السياسات الإسرائيلية، أو أننا أمام تحول فعلي وجذري في بريطانيا وأوروبا إزاء الكوارث التي تقع على الفلسطينيين، ويتفرج عليها العالم، ولا يوقفها، فيما تتصرف إسرائيل وكأنها تقود العالم، حين ترد على الإجراءات البريطانية في محاولة منها لدفع بقية الدول الأوروبية على التراجع، أو منع أي دول جديدة من الانضمام إلى العقوبات البريطانية؟!

الموقف البريطاني كان عمليا يتضمن إجراءات محددة، وجوهر الموقف البريطاني تحدث عن التهجير القسري، ولا بد أن يتزايد الضغط على إسرائيل بكل الوسائل لوقف خطط التهجير والإبادة اليومية، بما يعني أنه يجب البناء على الموقف البريطاني بكل الوسائل المتاحة والممكنة.

المفارقة أن وعد بلفور البريطاني تسبب بتهجير ملايين الفلسطينيين، سابقا، فيما الإجراءات الأخيرة جاءت بمثابة إقرار بأن وعد بلفور كان ظلما فادحا للشعب الفلسطيني الذي يدفع الثمن حتى اليوم، بما يتجاوز الضفة الغربية وقطاع غزة، إلى كل فلسطين التاريخية التي غادرها الملايين ذات محنة.

بين عام 1917 وعام 2026 قوس من الكوارث لا يمكن نسيانها.

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ