أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

جيشنا و أجهزتنا الأمنية.. فخرٌ في القلب و مسؤوليةٌ في النشر


م. مؤيد الرشود الشديفات
نائب رئيس لجنة بلدية منشية بني حسن عضو في المعهد السياسي لإعداد القيادات الشبابية - مشروع الحكومة الشبابية - قطاع الإدارة المحلية - الجيل الثاني

جيشنا و أجهزتنا الأمنية.. فخرٌ في القلب و مسؤوليةٌ في النشر

م. مؤيد الرشود الشديفات
م. مؤيد الرشود الشديفات
نائب رئيس لجنة بلدية منشية بني حسن عضو في المعهد السياسي لإعداد القيادات الشبابية - مشروع الحكومة الشبابية - قطاع الإدارة المحلية - الجيل الثاني
مدار الساعة ـ

حين تتحول محبة الأردنيين لمؤسساتهم العسكرية والأمنية إلى وعيٍ يحمي أفرادها و يحفظ أمن الوطن

————————————-

مقدمة:

الأمن في عصر الانفتاح الرقمي

————————————-

أحدثت وسائل التواصل الاجتماعي تحولاً كبيراً في طبيعة تداول المعلومات ؛ فلم تعد المعلومة محصورة في نطاقها الجغرافي أو الاجتماعي ، بل أصبحت قابلة للانتشار و الوصول و إعادة الاستخدام خلال دقائق.

ومع هذا الانفتاح ، برز تحدٍ أمني مهم يتمثل في كيفية التعامل مع المعلومات المتعلقة بالأشخاص والمؤسسات ذات الطبيعة العسكرية و الأمنية .

إن نشر اسم منتسب إلى جهاز أمني أو عسكري ، أو إظهار رتبته و صورته بالزي الرسمي ، قد يبدو في ظاهره مجرد مشاركة اجتماعية أو تكريم شخصي ، إلا أن حساسية هذه المعلومات لا تقاس بالمعلومة منفردة ، و إنما بما يمكن أن تكشفه عند ربطها بمعلومات أخرى متاحة في البيئة الرقمية .

و هذا هو جوهر مفهوم الأمن العملياتي (Operations Security – OPSEC) ، الذي يقوم على حماية المعلومات التي يمكن أن يستفيد منها الخصم ، حتى و إن لم تكن المعلومات مصنفة أو سرية بالمعنى التقليدي .

و تؤكد إرشادات الجيش للأمن على وسائل التواصل أن المعلومات الصغيرة المتفرقة يمكن تجميعها لتكوين صورة أكبر ، و أن حتى المنشورات التي تبدو غير حساسة قد تحمل قيمة بالنسبة للخصوم .

————————————-

أولاً:

ليست المشكلة في الاسم وحده

————————————-

من المهم التأكيد أن اسم الشخص أو رتبته ، منفردين ، لا يعنيان بالضرورة كشف معلومة سرية ، و لا يصح التعامل مع كل ظهور إعلامي لمنتسب عسكري أو أمني باعتباره تهديداً أمنياً .

لكن الإشكالية تبدأ عندما تتراكم البيانات .

فالاسم قد يقود إلى حسابات شخصية ، و الرتبة قد تعطي مؤشراً عن المستوى الوظيفي ، و الصورة قد تكشف الجهة أو الزي أو المناسبة ، و المنشور قد يحدد مكان الوجود أو طبيعة النشاط ، بينما تكشف منشورات أخرى علاقات الشخص المهنية و محيطه الوظيفي .

و هكذا تتحول المعلومات المتفرقة إلى بصمة معلوماتية يمكن تحليلها و الاستفادة منها .

و تشير إرشادات الأمن العملياتي للجيش صراحة إلى أن أسماء و صور الأشخاص ، و المسمى الوظيفي ، و الموقع ، و الدرجة الوظيفية وغيرها من البيانات يمكن أن تدخل ضمن المعلومات التي ينبغي التعامل معها بحذر في البيئة الرقمية .

————————————-

ثانياً:

الأجهزة الأمنية ليست كغيرها من المؤسسات

————————————-

تزداد حساسية الموضوع عندما يتعلق الأمر بمنتسبي الأجهزة الأمنية و العسكرية ، لأن طبيعة عمل هذه المؤسسات تختلف عن المؤسسات المدنية العادية .

فالأجهزة الأمنية و العسكرية ترتبط بمهام تتصل بحماية الدولة ، و إنفاذ القانون ، و مواجهة التهديدات ، و حماية الحدود و المنشآت و الأفراد ، و التعامل مع معلومات و عمليات قد تتطلب مستويات مختلفة من السرية والحماية .

و لهذا فإن هوية المنتسب ، و موقعه الوظيفي ، و صلته بوحدة أو إدارة معينة ، و طبيعة ظهوره العام ، قد تحمل دلالات أكبر من مجرد معلومة شخصية .

و لا يعني ذلك أن أسماء جميع المنتسبين يجب أن تكون سرية ، و إنما يعني أن تقييم حساسية المعلومة يجب أن يأخذ طبيعة المؤسسة و الوظيفة و السياق بعين الاعتبار .

————————————-

ثالثاً:

الأمن العملياتي لا يحمي الأسرار فقط

————————————-

من أكثر المفاهيم أهمية في هذا المجال مفهوم OPSEC أو الأمن العملياتي .

و الأمن العملياتي لا يقتصر على منع تسريب الوثائق السرية ، بل يهتم أيضاً بمنع الخصم من استنتاج معلومات مهمة من مجموعة من البيانات المتاحة بصورة مشروعة .

و لهذا تؤكد الإرشادات العسكرية أن الخصوم لا يبحثون بالضرورة عن وثيقة سرية ؛ فقد يبحثون عن تفاصيل صغيرة يمكن جمعها و ربطها و تحليلها .

فالجيش الأمريكي ، على سبيل المثال ، يحذر من نشر معلومات تتعلق بالمواقع و الوحدات و التفاصيل التكتيكية و أعداد الأفراد ، و يؤكد أن " القطع الصغيرة من المعلومات " يمكن أن تتجمع لتشكل صورة كبيرة .

و هنا تكمن إحدى أهم قواعد الأمن الرقمي :

'' المعلومة قد تكون غير سرية ، لكنها قد تكون ذات قيمة أمنية ''

————————————-

رابعاً:

المصادر المفتوحة أصبحت جزءاً من بيئة الاستخبارات

————————————-

أصبح جمع المعلومات من المصادر المفتوحة ، أو ما يعرف بـ OSINT – Open Source Intelligence ، أحد العناصر المهمة في البيئة المعلوماتية الحديثة .

فالمعلومات المنشورة علناً يمكن جمعها من وسائل التواصل الاجتماعي و المواقع الإلكترونية و الصور و التغطيات الإعلامية و غيرها ، ثم ربطها ببعضها للوصول إلى استنتاجات لم يكن من الممكن الحصول عليها من منشور واحد .

و لهذا فإن انتشار المعلومات على وسائل التواصل لا يعني أنها فقدت قيمتها ؛ بل قد يعني العكس تماماً ، لأن سهولة الوصول إليها و إمكانية أرشفتها و ربطها و تحليلها تجعلها قابلة للاستخدام على مدى طويل .

و تشير الأدبيات العسكرية إلى أن خصوماً و جهات معادية قد يستفيدون من المعلومات المنشورة على شبكات التواصل لجمع المعلومات التي تساعدهم على فهم الأفراد و البيئة المحيطة بهم .

————————————-

خامساً:

من التعريف إلى الاستهداف

————————————-

قد يكون نشر اسم و رتبة شخص ما أمراً بريئاً ، لكن تجميع هذه المعلومة مع معلومات أخرى قد يسهل عملية الاستهداف الفردي .

فمعرفة هوية الشخص و مهنته و مكان عمله وشبكة علاقاته قد تجعل استهدافه عبر أساليب الهندسة الاجتماعية أكثر سهولة ، سواء بهدف الحصول على معلومات إضافية أو التأثير عليه أو انتحال شخصيته .

كما يمكن استخدام الصور و الأسماء و الرتب في إنشاء حسابات مزيفة أو رسائل موجهة تبدو أكثر مصداقية .

و تحذر المراجع العسكرية العالمية مثلاً من استخدام أسماء و صور القيادات و الأفراد في عمليات انتحال و احتيال ، ما يوضح أن الهوية الرقمية للمنتسب العسكري أو الأمني قد تصبح بحد ذاتها عنصراً يستوجب الحماية .

————————————-

سادساً:

الخطر لا يتوقف عند الفرد

————————————-

الخطأ الأكبر هو النظر إلى الموضوع باعتباره مسألة خصوصية شخصية فقط .

فالمنتسب إلى مؤسسة أمنية لا يمثل نفسه دائماً في البيئة الرقمية ؛ فقد ترتبط هويته بالمؤسسة التي يعمل فيها ، و قد يؤدي كشف بعض المعلومات عنه إلى كشف معلومات غير مباشرة عن زملائه أو طبيعة عمله أو البيئة التي يعمل ضمنها .

و قد يمتد الأثر إلى أسرته أيضاً ، خصوصاً إذا اقترنت المعلومات الوظيفية بالموقع الجغرافي أو الصور العائلية أو أماكن الإقامة أو أنماط الحركة .

و لهذا تنبه الإرشادات العسكرية إلى أن مخاطر النشر قد لا تقع على الفرد وحده ، و إنما يمكن أن تمتد إلى أفراد أسرته و زملائه و المهمة التي يؤديها .

————————————-

سابعاً:

عندما تتحول المعلومات الفردية إلى قضية أمن قومي

————————————-

هنا تظهر النقطة الأهم .

الأمن القومي لا يتأثر فقط بتسريب المعلومات المصنفة ، و إنما يمكن أن يتأثر أيضاً بتراكم المعلومات المفتوحة عندما تصبح قابلة للتحليل و الاستغلال .

فإذا تم نشر معلومات عن عدد من المنتسبين ، و رتبهم ، و مواقعهم الوظيفية ، و مناسباتهم ، و تحركاتهم ، و علاقاتهم المهنية ، فإن كل معلومة منفردة قد تبدو بسيطة ، لكن مجموعها قد يقدم صورة أوسع عن المؤسسة .

و من منظور أمني ، فإن قيمة المعلومات لا ترتبط فقط بدرجة سريتها ، و إنما أيضاً بقدرتها على تمكين الخصم من الاستنتاج أو التنبؤ أو الاستهداف .

و لهذا تعتبر المؤسسات العسكرية و الأمنية حماية البيئة المعلوماتية جزءاً من حماية الأمن الوطني .

و يشير خبراء عسكريين إلى أن الجهات المعادية تستغل الانفتاح و الترابط و الرقمنة ، و أن التهديدات المعلوماتية يمكن أن تشكل تهديداً للأمن القومي ، خصوصاً عندما تكون منظمة و منسقة و قادرة على التأثير في المؤسسات والمجتمعات .

————————————-

ثامناً:

وسائل التواصل الاجتماعي ليست بيئة محايدة أمنياً

————————————-

من الخطأ التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها مجرد مساحة اجتماعية لا تتطلب اعتبارات أمنية .

فالمنشور قد يبقى متاحاً ، و الصورة يمكن حفظها و إعادة نشرها ، و الموقع الجغرافي قد يُستخرج من البيانات المصاحبة للصورة ، و المعلومات القديمة يمكن ربطها بمعلومات جديدة .

و لهذا تؤكد الإرشادات العسكرية على مراجعة الصور و المنشورات قبل نشرها ، و إيقاف خدمات تحديد الموقع الجغرافي عند الحاجة ، و عدم نشر معلومات عن الوحدات أو المواقع أو المهام أو التحركات .

كما أن الخبراء العسكريين يشترطوا ، بالنسبة للمحتوى الرسمي ، أن يخضع النشر للمراجعة المتعلقة بأمن العمليات و أمن المعلومات قبل إتاحته للجمهور .

————————————-

تاسعاً:

المطلوب ليس إخفاء كل شيء

————————————-

الوعي الأمني لا يعني الانغلاق ، و لا يعني أن كل اسم أو صورة أو رتبة يجب أن تعامل باعتبارها سراً .

فالمؤسسات العسكرية و الأمنية تحتاج إلى التواصل مع المجتمع ، و الإعلام الرسمي جزء من عمل الدولة ، و هناك معلومات يتم نشرها بصورة رسمية و مقصودة بعد تقييمها واعتمادها .

المبدأ الصحيح هو التمييز بين المعلومات التي يسمح بنشرها و المعلومات التي يمكن أن تحمل قيمة أمنية عند تجميعها أو ربطها بسياق آخر .

و لهذا تعتمد المؤسسات العسكرية المحترفة على سياسات للنشر و المراجعة و التصريح ، و تربط الاتصال العام بمبادئ الأمن العملياتي و حماية المعلومات .

و يظهر ذلك بوضوح في سياسات الجيوش العالمية ، التي تشترط مراجعة المحتوى الرسمي من منظور OPSEC قبل نشره للعامة .

————————————-

عاشراً:

المسؤولية مشتركة بين الفرد و المؤسسة والمجتمع

————————————-

الحفاظ على الأمن المعلوماتي ليس مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها .

فالفرد مسؤول عن عدم نشر ما لا ينبغي نشره ، و المؤسسة مسؤولة عن توضيح سياسات النشر و التوعية بمخاطر البيئة الرقمية ، و المجتمع و وسائل الإعلام مسؤولان عن التعامل مع المعلومات الحساسة بمهنية و وعي .

و من هنا فإن الثقافة الأمنية الرقمية يجب أن تصبح جزءاً من السلوك العام ، لا مجرد تعليمات ظرفية تظهر عند وقوع حادث أمني .

————————————-

الخلاصة:

قبل أن تنشر، اسأل ماذا يمكن أن تكشف هذه المعلومة؟

————————————-

إن إظهار اسم أو رتبة منتسب إلى جهاز عسكري أو أمني لا يمثل بالضرورة خطراً في كل الحالات ، و لا ينبغي تحويل المسألة إلى حالة من المبالغة أو التخويف .

لكن الخطورة تبدأ عندما يتم التعامل مع هذه المعلومات باعتبارها منفصلة عن السياق .

فالاسم قد يرتبط بالرتبة ، و الرتبة بالوظيفة ، و الوظيفة بالمؤسسة ، و الصورة بالموقع ، و الموقع بالتحركات ، و المنشور بعلاقات مهنية أخرى .

و مع تراكم هذه التفاصيل ، قد تتكون صورة معلوماتية ذات قيمة بالنسبة لمن يبحث عنها .

ولهذا فإن القاعدة الأمنية الأكثر دقة ليست :

" لا تنشر أي معلومة "

و إنما :

" لا تنشر ما يمكن أن يمنح الآخرين قدرة أكبر على معرفة من يعمل ، و أين يعمل ، و ماذا يفعل ، ومتى يتحرك ، و كيف يمكن الوصول إليه "

و في النهاية ، فإن حماية الأمن القومي في العصر الرقمي لا تعتمد فقط على حماية الأنظمة و الوثائق و المعلومات المصنفة ، و إنما تبدأ أيضاً من إدارة المعلومات المتاحة للعامة بوعي و مسؤولية .

ففي عالم المصادر المفتوحة ، قد لا يحتاج الخصم إلى اختراق نظام أمني للحصول على معلومة مهمة ؛ فقد تكون المعلومة موجودة بالفعل ، منشورة علناً ، و لكنها تنتظر فقط من يجمعها و يربطها و يقرأ دلالاتها .

و من هنا ، فإن الوعي بما ننشره ليس مجرد حماية للخصوصية ؛ بل قد يكون ، في بعض الحالات ، جزءاً من حماية الأمن الوطني نفسه.

مدار الساعة ـ