مضى على ظهور صيحة "البود كاست" في الغرب والولايات المتحدة بشكل خاص سنوات. برامج صوتية ومرئية عبر شبكة الإنترنت، تمنح المستمع أو المشاهد اختيار الوقت المناسب لمتابعتها.
الموضة الجديدة من الإعلام الرقمي، وصلت لبلادنا في فترة متأخرة. هنا في الأردن انتشرت برامج "البود كاست" بشكل واسع مؤخرا. وإذا ما استمرت على هذا الحال فقد يصبح لكل مواطن برنامجه الخاص، إما لاستضافة أقرانه وأهل بيته والأصدقاء، أو يجعل منه "توك شو" خاص به.لسنا بصدد تقييم أو محاكمة هذا النمط من إعلام التواصل الاجتماعي، فقد أصبح واقعا يساهم في تشكيل الرأي العام، ويمكن توظيفه على نحو يساعد فعلا في بناء الوعي، وتعزيز قيم التعددية والحوار، وإثراء النقاش العام، لمواجهة موجات الكراهية والغضب والانقسام التي تولدها خوارزميات "السوشال ميديا".القائمون على برامج "البود كاست" عادة ما يطمعون بحوارات مع النجوم في السياسة والفن والرياضة والشعوذة. هذه هي الفئات المطلوبة حاليا في سوق المستمعين والمشاهدين. باستثناءات قليلة لا يفرق من يقدم هذه البرامج بين تلك الفئات، بالنسبة له مقابلة وزير أو مسؤول سابق أو حالي، مثل لقاء فنانة عاشت قصة حب مع المخرج وتورطت في المخدرات، وعانت من الطلاق. النجم في "البود كاست" هو المقدم، والضيوف في خدمة النجومية هذه.المشكلة ليست في هذا النوع من البرامج ولا مقدميها، فمنهم كثر أردنيا وعربيا يقدمون محتوى راقيا وحوارات تضيف الجديد لمعرفتنا، وتقدم الشخصيات السياسية والفكرية بمستوى محترم.المصيبة عندنا هي في الساسة وأصحاب المعالي، ورجال الدولة السابقين تحديدا. لديهم شراهة شديدة على هذا النوع من البرامج. وبسبب طبيعة البود كاست كمنصة مريحة لحوار مسجل وطويل في معظم الأحيان. يفقد السياسي- إن لم يكن يقظا- تركيزه، فيتحول الحوار إلى "تعليلة"، أو كما لو كان في جلسة علاج عند طبيب نفسي، يفتح قلبه ببراءة وصدق ويجود بما يدور في عقله ووجدانه.ساعات قليلة بعد نشر المقابلة، حتى تملأ "كليبات" صاحب المعالي منصات التواصل. جمل مجتزأة أو عبارات مختزلة "خبص" معاليه في سردها، تتحول إلى مادة للسخرية والتهكم من شخصه، وأكثر من ذلك عنوانا للتعبير عن سخط العامة وغضبهم حيال الدولة والبلد وساسته الذين لا يحترمون الشعب، ولا مواقع المسؤولية العامة.باستثناءات قليلة، معظم السياسيين والمسؤولين في بلادنا يفتقرون لمهارات التعامل مع وسائل الإعلام، ودائما ما نسمعهم قبل إجراء مقابلة يرددون بثقة: "ولا يهمك اسأل شو ما بدك". وما أن تشرع معه في الحوار يتلعثم عند أول جواب.المنافسة بين منصات "البود كاست" تدفع بأصحابها إلى السعي وراء هذا الصنف من الساسة المتساهلين في المعايير، وأفضلهم من يكون جوابه على رأس لسانه كما يقال. مثل هؤلاء يمنحون "البود كاست" ميزة جذابة لجمهور التواصل الاجتماعي ألا وهي التسلية. باختصار يتحول صاحب المعالي لتسلية نهاية الأسبوع، ويلقى ما يلقاه من إساءات وتعليقات جارحة، وفوق ذلك إحراج عائلي، وتوتر نفسي.من حق المسؤولين السابقين أن يظهروا في الإعلام، لا بل هذا من واجبهم، ليدلوا برأيهم في الشأن العام والسياسات الحكومية والقرارات، فتوليهم مناصب وزارية من قبل لا يصادر هذا الحق. تلك هي السياسة في كل بلدان العالم. لكن ينبغي عليهم أن يحافظوا على حضورهم المهيب والمسؤول، ويتقنوا فنّ العلاقة مع وسائل الإعلام، حتى لا يتحولوا إلى "ترند" للتندر والمسخرة.