في فيديو متداول، قدّم مسؤول عسكري عراقي سابق، يظهر بعد تقاعده بصفة محلل عسكري وأمني، رواية خطيرة عن مخيم تتن في العقبة، زعم فيها أن معلومات وإحداثيات وصلت إلى إيران من عسكريين أردنيين، وربط ذلك بحديث عن طائرات ومنظومات دفاع جوي داخل المخيم. وهذه ليست قراءة عسكرية عابرة أو تقديراً لاحتمالات ميدانية، بل اتهامات محددة يفترض أن تستند إلى أدلة محددة.
هنا تبدأ المشكلة: الخبرة العسكرية تمنح صاحبها أدوات للتحليل وتقدير الاحتمالات، لكنها لا تمنحه معرفة تلقائية بما يجري داخل المؤسسات العسكرية والأمنية لدول أخرى. وحين ينتقل المحلل من قراءة الوقائع إلى تحديد من نقل معلومة ولمن نقلها، فإنه يغادر مساحة التحليل ويدخل مساحة الادعاء بواقعة محددة، حيث تصبح قيمة الكلام مرتبطة بما يسنده لا برتبة قائله السابقة.وعند تفكيك الرواية، يظهر خلل واضح في تسلسلها المنطقي: فهي تفترض أولاً وقوع عملية نقل معلومات، ثم تنتقل مباشرة إلى تحديد مصدرها ونسبتها إلى عسكريين أردنيين، من دون تقديم ما يثبت وقوعها أو ما يسند نسبتها إليهم. وهكذا يصبح الاستنتاج مبنياً على افتراض غير مثبت، ثم يُقدَّم الاثنان معاً للجمهور كرواية مكتملة.أما مخيم تتن، فهو معروف بوصفه منشأة تدريبية، بينما قُدِّم في الرواية بصورة توحي بأنه قاعدة جوية عملياتية. وهذه الصورة لا تنسجم، في حدود ما يمكن استخلاصه من المعطيات العلنية، مع صور الأقمار الصناعية المتاحة عبر خرائط جوجل، التي تظهر موقعاً محدود المساحة ولا تبدو فيه البنية التحتية المرتبطة عادةً بقاعدة جوية عملياتية. ولا تكفي الصور المفتوحة وحدها للجزم بكل ما يوجد داخل المخيم في وقت معين، لكنها تجعل الانتقال من وصفه المعروف كمنشأة تدريبية إلى تصويره كقاعدة جوية عملياتية بحاجة إلى دليل واضح، لا إلى مجرد تقرير شفهي.والأهم أن جانباً من المعلومات العامة المتعلقة بمخيم تتن متاح أصلاً من خلال الخرائط والصور والمنشورات العلنية. ومن ثم، فإن معرفة موقع المخيم أو طبيعته التدريبية أو بعض المعلومات العامة عنه لا تشكل بذاتها دليلاً على حصول اختراق أمني. أما الزعم بأن معلومات عنه وصلت عبر عسكريين أردنيين، فهو ادعاء مختلف تماماً، ولا يمكن استنتاجه من مجرد معرفة تفاصيل يمكن الوصول إلى جانب منها من مصادر مفتوحة.وينطبق الأمر نفسه على الحديث عن الطائرات أو منظومات الدفاع الجوي. فمعرفة موقع المخيم شيء، وإثبات وجود تجهيزات محددة فيه شيء آخر، والقول بوقوع عملية نقل معلومات وتحديد مصدرها شيء ثالث. جمع هذه العناصر في رواية واحدة لا يجعلها مترابطة إثباتياً؛ فكل حلقة منها تحتاج إلى ما يسندها بصورة مستقلة.ولا تمنح الوظيفة العسكرية السابقة صاحبها استثناءً من هذا الاختبار. على العكس، يفترض بمن امتلك تجربة عسكرية طويلة أن يكون أكثر إدراكاً للفارق بين «المعلومة» و«التقدير». فالمعلومة تحتاج إلى ما يسندها، أما التقدير فيقوم على قراءة المعطيات وترجيح الاحتمالات. وكلاهما مشروع، لكن الخلل يبدأ عندما يُقدَّم التقدير للجمهور باعتباره معلومة مؤكدة.وإذا كان الادعاء نفسه لم يتجاوز هذا الاختبار الأولي، فإن نقل عبء الإجابة إلى الجانب الأردني يقلب القاعدة رأساً على عقب. فالسؤال ليس لماذا لم يصدر نفي رسمي، بل ما الذي يجعل ادعاءً غير مسند يستوجب من الدولة أن تنفيه أصلاً؟ليس مطلوباً من المؤسسات الأردنية أن تصدر بياناً كلما أطلق محلل اتهاماً على شاشة. فالدولة ومؤسساتها العسكرية ليست طرفاً في مناظرة مفتوحة مع كل عسكري متقاعد أو خبير إعلامي. والأصل أن من ينسب فعلاً بهذه الخطورة إلى مؤسسة أو أفراد هو الذي يتحمل عبء إثباته؛ فغياب الرد الرسمي لا يمنح الادعاء صدقية، وتكراره عبر المنصات لا يحوله إلى حقيقة.بل إن استدراج المؤسسات إلى الرد على كل رواية قد يمنح بعض المزاعم قيمة لم تكن تمتلكها ابتداءً. فمجرد صدور بيان رسمي بشأن ادعاء إعلامي قد ينقله من مساحة الطرح الإعلامي إلى مرتبة قضية تبدو وكأنها تستوجب سجالاً بين دولة ومحلل.وبدلاً من مطالبة الأردن بتفسير رواية لم يثبت أساسها، يبقى صاحب الادعاء هو المطالب بإسنادها. وهذه ليست مطالبة استثنائية ولا دفاعاً سياسياً عن الأردن، بل قاعدة بسيطة في التعامل مع الادعاءات الأمنية: كلما كان الاتهام أكثر تحديداً وخطورة، كان واجب إثباته أكبر.كما أن تكرار الرواية على الشاشات والمنصات لا يضيف إليها دليلاً جديداً. فقد تتحول عبارة واحدة خلال ساعات إلى عشرات المنشورات والمداخلات، ثم يبدو انتشارها وكأنه تعدد للمصادر، بينما يكون الجميع في الحقيقة يعيد تداول الادعاء الأصلي ذاته.لذلك لا ينبغي أن يتحول الاحتمال إلى واقعة، ولا التقدير إلى معلومة مؤكدة، ولا الحضور الإعلامي إلى مصدر للحقائق. والمسألة ليست في الموقف السياسي لصاحب الرواية أو الجهة التي يتعاطف معها؛ فالاختبار هنا مهني بحت: الادعاء محدد، وهو أن عسكريين أردنيين نقلوا معلومات إلى إيران، وبالتالي فإن المطلوب محدد بالقدر نفسه: الدليل.وفي النهاية، لا يحتاج الأردن إلى نفي رواية لم يثبتها صاحبها؛ فمن يملك الدليل فليقدمه، أما الادعاء، مهما قيل بثقة ومهما كانت رتبة قائله السابقة، فلا يصبح حقيقة.جنرال سابق ومعلومة بلا مصدر
مدار الساعة ـ