أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

فرح نموذجاً.. صراع الهوية مع صورة 'الحداثة' للنخب الرسمية


د. مصطفى التل

فرح نموذجاً.. صراع الهوية مع صورة 'الحداثة' للنخب الرسمية

مدار الساعة ـ

أعلنت الحكومة الأردنية عن إطلاق شخصية افتراضية بالذكاء الاصطناعي باسم "فرح" لتكون الناطق الرقمي باسم الحكومة، بهدف توظيف التكنولوجيا الرقمية في التواصل مع المواطنين وشرح القرارات والسياسات الحكومية وإتاحة المعلومات بطريقة واضحة وشفافة , ظهرت "فرح" في الفيديو الترويجي مرتدية طقماً رسمياً، تتحدث بلهجة عامية عن أهدافها وأدوات عملها.

لكن سرعان ما تحولت هذه الخطوة التقنية من مجرد أداة اتصال مبتكرة إلى حالة جدلية واسعة تجاوزت حدود الإعجاب بالتقنية إلى تساؤلات جوهرية حول هوية هذه الشخصية وعلاقتها بثقافة المجتمع الأردني وبيئته.

المجتمع الأردني بتركيبته المحافظة يعتبر الحجاب هو الأصل وليس الاستثناء غير أن التمثيل الرسمي سواء في المناهج الدراسية أو في الشاشات الحكومية أو في التصاميم الرمزية يبدو وكأنه يتبنى خياراً مغايراً تماماً.

فما نراه في شخصية "فرح" ليس مجرد خيار تصميمي عابر بل هو تجسيد لفجوة أعمق : (صراع بين الهوية المجتمعية وبين تصور النخبة الرسمية لـلحداثة ) , هذه الفجوة تعكس أزمة حقيقية في كيفية فهم النخب الرسمية لذاتها ولعلاقتها بمجتمعها مع أزمة مركبة في مفهوم التحديث ذاته.

هذا الصراع ليس جديداً بل هو امتداد لسياسات ومناهج شهدتها السنوات الماضية حيث تم تعديل مناهج التربية الإسلامية بإزاحة صور المحجبات واستبدالها بغير محجبات، وبرر ذلك بالتنوع في وقت نصت فيه خطة حكومية لمحاربة الفكر المتطرف على ضرورة تعديل المناهج وترسيخ معاني الاعتدال والوسطية.

هذا التبرير قوبل بانتقادات واسعة حيث اعتبر وزير التربية الأسبق إسحاق الفرحان أن "أي التزام بالإسلام لا يعد إرهابا وتطرفا، والحجاب جزء من تعاليم الإسلام ولا يجب أن يقرن بالتطرف" , كما استنكر حزب جبهة العمل الإسلامي سابقا هذه التغييرات معتبراً إياها (مساساً واضحاً بتراثنا وقيمنا) , مشيراً إلى أنها اشتملت على إزالة صورة المرأة الأردنية وهي مرتدية للحجاب واستبدالها بصورة لامرأة حاسرة الرأس.

بينما الخبير التربوي كاظم عايش فرأى أن هناك "مبالغة في ربط الحجاب واللحية والآيات التي تتحدث عن الجهاد بالتطرف، والذي يأتي في المحصلة ضمن الحرب على الإسلام".

هذا يعني أن هناك قراءة رسمية وان كانت غير مباشرة تربط الحجاب بالتطرف , ومن ثم تسعى لإقصائه من الفضاء العام الرسمي تحت مسمى "التحديث" و"الاعتدال".

هذا يطرح سؤالاً جوهرياً : لماذا يُنظر إلى رمز ديني وثقافي واجتماعي يعتمده غالبية المجتمع الأردني على أنه "تراجع" أو "تخلف"؟!, ولماذا تُعتبر غير المحجبة تلقائياً ممثلة لـ"التقدم" و"الانفتاح"؟!

هذا التصور يتجاهل أن الحجاب ليس مجرد لباس بل هو رمز ديني وثقافي واجتماعي لجزء كبير من المجتمع الأردني وأن العديد من المحجبات هن كفاءات علمية وعملية في أعلى المستويات.

المفارقة أن هناك كفاءات محجبة في مواقع قيادية رفيعة مثل وزيرة التنمية الاجتماعية وفاء بني مصطفى التي ترأس اللجنة الوزارية لتمكين المرأة وتترأس جهوداً وطنية كبرى في مجال الحماية الاجتماعية وتمكين المرأة.

كما أن النائبة شاهة أبو شوشة أصبحت أول نائبة منقبة في تاريخ مجلس النواب الأردني، وهو إنجاز يعكس حضوراً سياسياً مهماً للمرأة المحجبة والمحتشمة , لكن هذه النماذج الحية تظل غائبة عن التمثيل الرمزي والإعلامي الذي تختاره المؤسسات الرسمية.

هذا التناقض يصل إلى ذروته في المشهد الإعلامي , ففي زمن يُفترض أن تكون فيه الكفاءة هي المعيار الوحيد ما زالت بعض الشاشات العربية ومنها الاردنية تمارس تمييزاً صامتاً ضد النساء المحجبات، وكأن الحجاب خطأ مهني أو حاجز بصري يمنع التألق على الشاشة.

توثقت هذه الظاهرة عبر مصادر متعددة ففي حوار مع رئيسة لجنة المرأة العاملة في اتحاد نقابات عمال الأردن ميسون قارة , أكدت أن "ما نلمسه في الوقت الراهن هو تفضيل بعض المؤسسات لغير المحجبات حتى لوكن ذات كفاءة وخبرة بحسب الشكاوى التي تردنا" , وأشارت إلى أن اللجنة تستقبل يومياً ما لا يقل عن ثلاث شكاوى من السيدات العاملات حول تجاوزات قانون العمل والتمييز في التوظيف .

كما خاطبت النائب ديمة طهبوب وزير العمل بشأن ما وصفته بـ"التمييز الذي تعانيه المرأة الأردنية خلال تقدمها للعمل في بعض المؤسسات والشركات"، مؤكدة أنها تلقت "العديد من الشكاوى" حول امتناع شركات عن تعيين المحجبات رغم كفاءتهن، واصفة هذا السلوك بأنه "تمييز مرفوض ومدان، يعطل طاقات المرأة الأردنية ولا يحترم كفاءتها ويبعدها قسراً عن سوق العمل" .

إحدى الإعلاميات الأردنيات تتحدث عن تجربتها الشخصية حيث درست الإعلام في جامعة اليرموك وبدأت مسيرتها عام 2010، وتنقلت بين قنوات عربية عدة وقدمت أعمالاً احترافية بشهادة الجميع , لكن عندما عادت إلى وطنها وقدمت أوراقها للتلفزيون الأردني وقناة المملكة، كانت الأبواب مغلقة, وفي إحدى محاولاتها، وصلت إلى المرحلة الأخيرة في مقابلة قناة المملكة بعد اجتيازها ثلاثة اختبارات مهنية، حتى استلمت فجأة رسالة إلكترونية باردة تُعلن رفضها دون سبب، لترسخ في داخلها شكوكاً مؤلمة: "هل السبب هو حجابي؟" سؤال بسيط يختصر أزمة مجتمع بأكمله.

وفي مفارقة تثير الدهشة الإعلامية ذاتها التي رُفضت في وطنها لأنها محجّبة، قُبلت فوراً في قناة عراقية لا توظّف المحجبات عادة. لم ينظروا إلى غطاء رأسها، بل إلى أدائها، حضورها، لغتها، وتمكّنها أمام الكاميرا. وهذا يثبت أن الكفاءة ليست المشكلة، بل النظرة الرسمية للصورة النمطية "الحديثة".

بينما الكاتبة نيفين العياصرة تذهب في نقدها إلى أبعد من ذلك معتبرة أن طريق المرأة إلى الشاشة بات يبدأ من مظهر شعرها وينتهي عنده، دون الالتفات إلى الثقافة والحضور والقدرة على الحوار التي يجب أن تلتقطها الكاميرا أولاً , وتؤكد أن طرحها لا يستهدف غير المحجبات ولا ينتقص من قيمتهن، بل يرفض اختزال المرأة الأردنية في صورة نمطية واحدة وتغييب المحجبات وكأنهن لا يصلحن كواجهات إعلامية أو أقل جاذبية أمام الكاميرا، متسائلة عن العقلية الإدارية التي تفرض ذوقاً محددا لا يعكس التنوع الحقيقي في المجتمع الأردني الذي يضم المحجبة وغير المحجبة والمحافظة والمنفتحة .

فعندما تختار الحكومة شخصية "فرح" بدون حجاب كوجه رسمي لها، فإنها ترسل رسالة ضمنية مفادها أن "الصورة النمطية الناجحة" أو "الحديثة" هي تلك التي لا ترتدي الحجاب.

هذا الإقصاء الرمزي له تبعات نفسية واجتماعية إذ يشعر جزء كبير من المجتمع بأن هويته غير ممثلة في مؤسساته الرسمية، وأن هناك محاولة لإعادة رسم الهوية الوطنية بما يتناقض مع الواقع المجتمعي.

إن استبعاد المحجبات من الشاشة لا يعني فقط استبعاد لباس بل هو استبعاد لقيم وتهميش لصوت المرأة الملتزمة التي اختارت أن تكون جزءاً من الإعلام دون أن تتنازل عن مبادئها.

الإعلام الحقيقي لا يُقاس بالمظهر بل بالفكر والرسالة والصدق , ووجود مذيعات محجبات لا يسيء للصورة العامة بل يُثريها ويجعلها أكثر تنوعاً وواقعية , الإعلام الذي يخشى التنوع يفقد مصداقيته لأن المجتمع ليس نسخة واحدة من الجمال أو الأسلوب، بل لوحة واسعة تجمع بين أشكال متعددة من الفكر والإيمان والثقافة.

ما نلمسه هو حقيقة واقعة : هناك تصور رسمي للحداثة يتعارض مع هوية المجتمع الغالبة، ويتم التعبير عن هذا التصور عبر اختيارات رمزية وتصميمية تظهر غير المحجبة وكأنها "الأصل". هذا الصراع بين الهوية وصورة "الحداثة" هو جوهر الأزمة، ويتطلب مراجعة جادة لمفهوم التحديث ذاته بحيث لا يعني التخلي عن الهوية بل احتضانها في إطار من التنوع والعدالة.

المجتمع الأردني ليس بحاجة إلى شاشة تفرض عليه صورة نمطية دخيلة، بل إلى شاشة تُشبهه تعكس تنوعه وتحترم خياراته وتقدّر كفاءاته بغض النظر عن مظهرها.

مدار الساعة ـ