لبّيت *أمس* دعوة للقاء *سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد،* في نادي الضباط في محافظة إربد، ليبدو من الوهلة الأولى أن اللقاء ليس اعتياديًا، بل نقاشًا يقرأ كيف سيُدار حاضر الأردن ويُنظّم للمستقبل.
وفي قراءة سياسية وأمنية، يمكن النظر إلى الزيارة باعتبارها إشارة إلى ملامح مرحلة جديدة في الأردن؛ عنوانها الانتقال من تثبيت المنعة والاستقرار إلى بناء الازدهار، وإعادة بناء الاعتقاد بأهمية الأردن واستراتيجيته، والقوة التي يمكن أن ينتجها من الداخل.فعلى مدى ربع قرن، وضع جلالة الملك عبدالله الثاني الأردن على خارطة المنعة والاستقرار، وسط إقليم لا يمنح الدول المحيطة، ولا سيما الأردن، رفاهية الخطأ. ومع ذلك، حافظ الأردن على استقراره، وأدار أزمات متلاحقة، وحافظ على قوة تحالفاته وتوازن علاقاته الدولية، وبقي ثابتًا في قلب العاصفة.لكن التحدي المقبل مختلف، تحدث ولي العهد اليوم في إربد عن التحديات المقلقة في المنطقة، لكنه ختم بالتأكيد على قدرته على تجاوزها، بالتوازي مع تركيز واضح على الملف الاقتصادي ومنعة الجبهة الداخلية. وهذا يؤكد أن الأردن، الذي أثبت قدرته على تجاوز الأزمات، يحتاج الآن إلى تحويل هذه القدرة إلى قوة اقتصادية واستراتيجية.وهنا تبدو تحركات المرحلة القادمة أقرب إلى إعادة تموضع استراتيجي لا إلى إعادة اصطفاف؛ فالأردن لا يفقد توازناته ولا يعيد صياغة تحالفاته، بل يعيد تعريف قيمته داخلها.المعادلة الجديدة بسيطة: كلما ارتفعت قدرة الأردن الاقتصادية، وتعزز رأس ماله البشري والتكنولوجي، أصبح تجاوزه سياسيًا وأمنيًا أكثر صعوبة، وأصبحت القوى الدولية والإقليمية أكثر ارتباطًا باستقراره واحتياجاته الاقتصادية.من هنا تكتسب تحركات ولي العهد أهمية تتجاوز بعدها التنموي، فتركيزه على التكنولوجيا والريادة والتدريب المهني والشباب يعني إعادة ترتيب لأولويات القوة الوطنية. التنمية الاقتصادية لم تعد ملفًا منفصلًا عن الأمن؛ إنها أحد شروطه. والشاب القادر على العمل والإنتاج والابتكار يمثل، في النهاية، جزءًا من منعة الدولة.ولذلك فإن الحضور في إربد يحمل دلالة سياسية أيضًا. فبناء الأردن المقبل لا يمكن أن يتم من العاصمة وحدها، بل من المحافظات، ومن الشباب والنساء والرجال، ومن الجامعات وسوق العمل والأحزاب والاقتصاد المحلي بكل قطاعاته؛ فكلها ساحات لصناعة الاستقرار القادم.وهنا يمكن فهم الرسالة إلى الخارج: لا يريد الأردن أن يُعرّف فقط كدولة مستقرة تحتاج إلى الدعم، بل كدولة مستقرة يمكن الاستثمار في قدراتها وموقعها ورأس مالها البشري، وأن يصبح استقرارها جزءًا لازمًا من معادلة الأمن والاقتصاد الإقليمي، لا خيارًا ثانويًا فيها.الأردن اليوم أمام تحدٍ جديد هو ليس إثبات أنه قادر على الصمود، فقد أثبت ذلك مرارًا. التحدي هو أن يحول الثبات إلى ازدهار، والاستقرار إلى قوة تفاوضية، والتحالفات إلى قيمة استراتيجية متبادلة.ومن إربد، يبدو أن ولي العهد يضع ملامح هذا المسار أمامه بوضوح: بناء أردن أكثر قدرة على إنتاج مستقبله، بسواعد أردنية وأدوات تنتمي إلى القرن الحادي والعشرين.فإذا كان الملك قد وضع الأردن على خارطة المنعة، فإن مهمة المرحلة المقبلة قد تكون هندسة هذه المنعة لتصبح قوة ازدهار وتأثير.الحسين بن عبدالله الثاني من إربد: الأردن أقوى من كل التحديات
مدار الساعة ـ