ننتقد الحكومات، وكلما أخطأ وزير لا نتركه، بل نسلقه بألسنة حداد، بكل الوسائل، وهذا أمر مبرر، لأن الدستور يحمي حرية النقد، خصوصا إذا لم نتورط بالكلام عن خصوصيات الأشخاص.
وفي الوقت ذاته، فإن نقد الأخطاء على المستوى الشعبي يجب أن يتم احتماله أيضا، لأن النقد لا يستثني أحدا، ولا حصانة لأحد، إلا في ما يخص بيته وعائلته، وخارج ذلك يكون النقد مباحا إذا ارتبط بشأن عام، أو بتأثير على حياة الأردنيين، لأن القصة هنا لا تبدو شخصية أو فردية أساسا.أشعر أحيانا أن هناك عنادا شعبيا متعمدا في وجه كل الرسائل الحكومية، ولا تعرف لذلك تفسيرا ولا تأويلا؛ هل يعبر هذا عن غضب أو عن عناد فقط، أو عدم مبالاة، أو من باب التحدي ومحاولة تصغير السلطة.خذوا مثلا كل رسائل الدولة حول ندرة المياه، ومشاكل ملف المياه، وقلة ضخ المياه أيضا، فبالرغم من ذلك تجد كل الجيران يهدرون كميات كبيرة من الماء على سقاية الحدائق وغسل السيارات، وسكب الماء من مداخل البيوت إلى الشوارع، فتشفق على الإعلام الذي لا يقنع أحدا بحجم الأزمة في ملف المياه، وتحتار في الإنسان الذي لا يريد أن يوقف الهدر ولو من باب منع الإسراف.ومع هذا مثل آخر، خذوا كاميرات المخالفات، إذ نحتج كلنا على كثرتها، وعلى فكرة الجباية المالية، وعلى تأخير الترخيص بسبب قيمة المخالفات، لكن بالمقابل يتحدى أغلبنا الكاميرات، ونزيد السرعة، وقد رأيت شبانا يدورون بسياراتهم بسرعة جنونية قرب كاميرا، ويلوحون بأيديهم للكاميرا، على طريقة إرسال رسائل الشوق والغرام والتحايا، فلا تعرف لماذا يمارس الكل طقوس التحدي؟حتى تحذيرات الدولة من إطلاق النار في المناسبات، أفلحت جزئيا في خفض الإطلاق بعد أن خسر كثيرون حياتهم بسبب رصاصة طائشة، لكن الإطلاقات مستمرة، والذي لا يريد أن يطلق النار من (رشاشه) أو مسدسه، يستبدلها بألعاب نارية، لأن المهم هو الفرقعة والصوت العالي، ولو تصدق المحتفل بكلفة الألعاب النارية، لوجه الله، لربح في الدارين، بدلا من هذا العناد الذي لا يليق بنا.وأيضا مواكب الخريجين، فرغم الإعلان عن كونها ممنوعة وتغلق الطرق في وجه المسافرين، أو حالات الطوارئ والإسعاف، بات كثيرون يبالغون أكثر في المواكب، بل وينزعون لوحات السيارات ظنا منهم أن الإفلات ممكن من الشرطة، فيما التقنيات الحديثة تجلب أي سيارة وصاحبها حتى لو ألبس السيارة ثوبا من القماش، وتحتار هنا إذا ما كانت هذه رغبة بتحدي القانون أم كسره، أو تعبيرا عن عناد؟نسافر كثيرا ونلتزم بتعليمات الدول التي نزورها، فلا ندخن في المؤسسات والمنشآت، لكنك هنا رغم المنع ترى المراجعين يشعلون السجائر في الوزارات والدوائر، وقد رأيتهم يدخنون في غرف المرضى، فلا تعرف هل مات القانون، أم أننا لا نخاف، أو أن كل واحد فينا لديه واسطة ثقيلة تحميه إذا تورط في مشكلة، أو أن كل واحد فينا يعتبر نفسه مركز نفوذ مستقل.معاكسة القانون، والعناد الشعبي، وعدم الالتفات إلى أي رسالة بخصوص أي ملف، ظاهرة بحاجة إلى تحليل؛ فيما إذا كنا هنا نعبر عن "الأنا المتنفذة" التي تكسر القانون، أم نعبر عن السخط، أو أننا لا نأبه بأي عقوبة مالية أو قانونية، أو أن كل واحد منا يراهن على أن غيره ستتم معاقبته فيما سينجو هو حصريا، أو لأن كل واحد منا يشعر أنه فوق القانون، ولا حق لأحد بسؤاله.أو أننا اعتدنا على أنه لا قسوة في الأردن، ولا تجبّر، ولا انتقام، وهذه ميزة يجب حمد الله عليها، لا الاستزادة مما يعكر صفاء عناوينها في هذه البلاد التي بقيت سالمة وآمنة لكل من فيها.نريد أن يتبدد العناد الشعبي، وأن تبقى القسوة غائبة أيضا.العناد الشعبي والقسوة الغائبة
مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ