أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات مغاربيات دين بنوك وشركات خليجيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

{وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا}

مدار الساعة,شؤون دينية
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة -جاء في نص الحديث أنه: (لا تُقتَلُ نَفسٌ ظُلمًا إلَّا كانَ على ابنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفلٌ مِن دَمِها؛ لأنَّه كانَ أوَّلَ مَن سَنَّ القَتلَ).

سؤالي:

هل إن تاب الإنسان وبقي أثر معصيته يظل يأخذ أثم من يفعلها من الناس؟ وإن كان الجواب لا، فلماذا على ابن آدم إثم كل من يقتل؟

ملخص الجواب

من الثابت في الشرع أن من تاب من ذنب تاب الله عليه، وبالتوبة تزول آثار الذنوب وتنقطع، وما ورد في قصة ابن آدم من أّنه توعّد بأن يحمل من ذنوب القاتلين لأنه أوّل من سنّ لهم القتل؛ فالظاهر من النصوص أنه لم يتب من هذا الذنب .

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا:

روى البخاري (3335)، ومسلم (1677): عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ مَسْعُودٍ، رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا، إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا؛ لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ).

الكفل: هو "النصيب. ومنه قول الله عز وجل: (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ)" انتهى من "أعلام الحديث" للخطابي (3 / 1529).

وهذا الحديث يدل على أن من سن للناس أمرا أدركته تبعة من يعمل به ويقلده فيه، فإن كان شرا فعليه نصيب من إثم من عمل بعمله ذلك.

قال المازري رحمه الله تعالى:

"هذا الحديث أصل في أن المعونة على ما لا يحل؛ لا تحل، وقال الله تعالى: وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ. وقد جعل الدال على الخير كفاعله، وهكذا الدال على الشر كفاعله، ولعل القتل إنما كان في الناس على جهة التعليم، فأخذه واحد عن واحد عن آخر، حتى ينتهي إلى ابن آدم الأول، وهكذا التعليم في البدع والضلالات يكون على معلمهَا الأول كفل منها، وهكذا على قياسه يكون للمعلّم الأول للهدى والحقائق نصيب من الأجر" انتهى. "المعلم بفوائد مسلم" (2 / 380).

وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى:

"هذا كله قد أبانه عليه السلام بقوله: (مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهَا و أَجْر مَنْ عَمِلَ بِهَا إلى يوم القيامة، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا)، وورد: (من عمل بها إلى يوم القيامة)" انتهى. "إكمال المعلم" (5 / 478).

ثانيا:

من المعلوم أن من تاب من أي ذنب توبة نصوحا ، فإن الله يقبل توبته ، ويغفر له ذنبه .

كما في قول الله تعالى:

(وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا) الفرقان (68 - 71).

ومن ذلك من يعلّم الناس المعاصي فإن تاب زال عنه وزر التعليم لعموم قول الله تعالى:

قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53).

وقد سبق في الموقع بيان هذا؛ في جواب السؤال رقم (280384)، وهو بعنوان: "إذا تاب من الدلالة على الإثم، فهل يتوب الله عليه مع أن أثر سيئته مستمر؟".

ثالثا:

ما ورد في حديث عبد الله بن مسعود هذا عن ابن آدم يشير إلى أنّه لم يتب من ذنبه ذلك؛ لهذا بقي مؤاخذا به.

قال القرطبي رحمه الله تعالى

"وقوله: (لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ) نصٌ على تعليل ذلك الأمر؛ لأنّه لما كان أول من قتل، كان قتله ذلك تنبيها لمن أتى بعده، وتعليما له. فمن قتل كأنّه اقتدى به في ذلك، فكان عليه من وزره. وهذا جارٍ في الخير والشّرِ؛ كما قد نصّ عليه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم بقوله: (من سنَّ في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة. ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة) ...

وهذا - والله أعلم - ما لم يتب ذلك القاتل الأول من تلك المعصية؛ لأنَّ آدم عليه السلام أول من خالف في أكل ما نُهي عنه، ولا يكون عليه شيء من أوزار من عصى بأكل ما نُهي عنه ولا شربه، ممن بعده، بالإجماع؛ لأنَّ آدم عليه السلام تاب من ذلك، وتاب الله عليه، فصار كأن لم يجن؛ فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له. والله تعالى أعلم" انتهى. "المفهم" (5 / 41).

ويدل لصحة قول القرطبي هنا، أن القرآن بيّن أن آدم عليه السلام تاب فتاب الله عليه.

قال الله تعالى:

فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ البقرة (37).

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى:

"قوله تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ لم يبين هنا ما هذه الكلمات، ولكنه بينها في سورة الأعراف بقوله: قالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ" انتهى. "أضواء البيان" (1 / 88).

وأما ابن آدم القاتل، فلم يبين القرآن توبته، بل نص على خسرانه، وهذا يشير إلى أنه لم يتب.

قال الله تعالى:

فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ المائدة (30).

قال الطبري رحمه الله تعالى:

"وأما قوله: فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ. فإن تأويله: فأصبح القاتل أخاه مِن ابْنَيْ آدم، من حزب الخاسرين، وهم الذين باعوا آخرتهم بدنياهم، بإيثارهم إيّاها عليها، فوُكِسوا في بيعهم وغبِنوا فيه، وخابوا في صفقتهم" انتهى. "تفسير الطبري" (8 / 340).

وأما ما ورد في قصته أنه ندم. قال الله تعالى:

(فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ) المائدة (31)=

فالنص على خسرانه في الآية السابقة يبيّن أنّ هذا الندم ليس ندم توبة.

قال الواحدي رحمه الله تعالى:

"قال كثير من المفسرين: مِنَ النَّادِمِينَ على حمله والتطواف به.

وقال آخرون: مِنَ النَّادِمِينَ على فوات أخيه؛ لأنه لم ينتفع بقتل أخيه، وسخط عليه بسببه أبواه وإخوته، فندم لأجل ذلك، لا لأجل أنه جنى واقترف ذنبًا بقتله، فلم يكن ندمه على الوجه الذي يكون ندم التوبة" انتهى. "البسيط" (7 / 345).

فالندم لا ينفع صاحبه، وكم ندم أقوام هلكوا، حين لم ينفعهم الندم. قال الله تعالى عن قوم صالح:

فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ * فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ الشعراء (157 - 158).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

"وكذلك قوم صالح لما عقروا الناقة قال: تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ، لم يتوبوا.

فإن قيل: فقد قال: فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ * فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ.

قيل: وقد قال عن أحد ابنَي آدم: فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ، ولم يكن هذا ندمَ توبة" انتهى. "جامع المسائل" (8 / 383).

وما ورد عند الإمام أحمد في "المسند" (6 / 37)، وابن ماجه (4252)، بإسناد صحيح: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْقِلِ بْنِ مُقَرِّنٍ، قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (النَّدَمُ تَوْبَةٌ)، فَقَالَ لَهُ أَبِي: أَنْتَ سَمِعْتَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (النَّدَمُ تَوْبَةٌ)، قَالَ: نَعَمْ.

فالمراد بالندم هنا: الندم على عصيان الله تعالى، وهذا الندم بهذا الوصف يتولد عنه العزم على ترك المعصية وعدم الرجوع إليها لو توفرت أسبابها.

وقد سبق بيان هذا في جواب السؤال رقم (247976): " الندم: ركن التوبة الأعظم".

وأما الندم الذي لا يتحقق معه الإقلاع عن المعصية، فليس هو المقصود بأن (النَّدَم تَوْبَةٌ)، كالندم على ضياع شيء من الدنيا وصفائها بسبب الذنب فليس هو ندم التوبة.

قال ابن العربي رحمه الله تعالى:

"قوله تعالى: فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ...

فنقول: من الغريب أن الله سبحانه قد أخبر عنه أنه ندم وهو في النار، وقال صلى الله عليه وسلم: (النَّدَمُ تَوْبَةٌ)؟

قلنا: عن هذه ثلاثة أجوبة:

الأول: ... لكن الندم له شروط، فكل من جاء بشروطه قبل منه، ومن أخل بها أو بشيء منها لم يقبل.

الثاني: أن معناه ندم ولم يستمر ندمه، وإنما يقبل الندم إذا استمر.

الثالث: أن الندم على الماضي إنما ينفع بشرط العزم على ألا يفعل في المستقبل" انتهى. "أحكام القرآن" (2 / 590).

وقال ابن الجوزي رحمه الله تعالى:

" قوله تعالى: (فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ).

فإن قيل: أليس الندم توبة، فلِمَ لم يُقبل منه؟

فعنه أربعة أجوبة:

أحدها: أنه يجوز أن لا يكون الندم توبة لمن تقدمنا، ويكون توبة لهذه الأمة، لأنها خصت بخصائص لم تشارك فيها، قاله الحسن بن الفضل.

والثاني: أنه ندم على حمله لا على قتله.

والثالث: أنه ندم إذ لم يواره حين قتله.

والرابع: أنه ندم على فوات أخيه، لا على ركوب الذنب" انتهى. "زاد المسير" (2 / 339).

والله أعلم.


مدار الساعة ـ