أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

البحث عن صديق!!

مدار الساعة,شؤون دينية
مدار الساعة ـ
حجم الخط

من أيسر الأعمال على المرء أن يملأ هاتفه بالأسماء، وأن يحيط نفسه بجمهرة من المعارف، والرفقاء، ولكن من أعسرها أن يجد الصديق الحق الذي يطمئن إليه قلبه، ويستريح إليه ضميره، ويأمن معه على دينه، ومروءته، ومستقبله.

حتى عدت العرب الصديق الوفي إحدى المستحيلات:

لَمَّا رَأَيْتُ بَنِي الزَّمَانِ وَمَا بِهِمْ خِلٌّ وَفِيٌّ، للشَّدَائِدِ أَصْطَفِي

أيْقَـنْـتُ أَنَّ المُسْـتَحِـيـلَ ثَـلَاثَـةٌ الغُولُ وَالعَنْقَاءُ وَالْخِلُّ الوَفِي

كثير منا إذا سُئلوا عن عدد أصدقائهم أجابوا بأرقام كبيرة، ثم لو طُلب منهم أن يذكروا من يقف معهم في أوقات المحن، والشدائد، أو من يأخذ بأيديهم إلى الخير إذا زلت الأقدام، لما وجدوا إلا القليل:

وما أكثر الإخوان حين تعدهم * ولكنهم في النائبات قليل

يقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله: " خذ قلماً، وورقاً، وحاول أن تكتب أسماء أصدقائك جميعاً، ثم صنفهم أصنافاً، تجد أن منهم من ليسوا أصدقاء على التحقيق، ولكنهم أصحاب ورفقاء.... الحياة ألقتهم في طريقك، وحملتهم على عاتقك، فإذا أنت لم تُحْصِهم ولم تَجْرُدهم مثل جرد التاجر بضاعتَه، ثم تُصنِّفهم أصنافاً؛ فتبقي على الجيد، وتطَّرح الرديء، لم تدر إلى أي هاوية تسوقك هذه الصداقات؛ لأن الصاحب ساحب، وكل قرين بالمقارن يقتدي".

هذه دعوة مجرب خبر الحياة، وكان صاحب بصيرة، وعلم، دعانا فيها إلى أن نراجع أسماء من يحيطون بنا، وأن نميز بين الصديق الحقيقي، وبين أولئك الذين جمعتنا بهم ظروف الحياة، وساحات الأرض، فليس كل من تبادلنا معه التحية صديقاً، ولا كل من شاركنا مجلساً، أو رحلة، أو عملاً، أصبح أهلاً للخلة، والمودة.

إن الحياة الحديثة وسّعت دائرة التعارف، لكنها لم توسع بالضرورة دائرة الصداقة، فنحن نلتقي كل يوم بعشرات الأشخاص، في مقرات العمل، وفي الطريق، وفي المجالس العامة، وفي فضاءات التواصل الاجتماعي، نتبادل معهم الكلمات، والابتسامات، وربما أسررنا إليهم ببعض شؤوننا، ثم نظن أن هذه العلاقة العابرة قد ارتقت إلى منزلة الصداقة، والحقيقة أن كثيراً من هذه الروابط لا تعدو أن تكون صحبة ظرفية، فرضتها المصالح، أو الظروف، أو العادة، أو المشتركات التي سرعان ما تزول.

ومثل هذه العلاقات لا تعاب في حد ذاتها؛ إذ الناس يحتاج بعضهم لبعض، والحياة لا تستقيم إلا بالتعاون، والتعارف:

الناس للناس من بدو وحاضرة بعض لبعض وإن يشعروا خدم

لكن الخطر يبدأ حين يغيب التمييز، فيختلط الصديق بالرفيق، ويصبح كل من دخل حياتنا مؤهلاً للتأثير في أفكارنا، ومواقفنا، وقيمنا.

الإنسان كما هو معلوم كائن متأثر بطبعه، وما يسمعه اليوم قد يصبح غداً فكرة مستقرة في عقله، وما يراه يتكرر أمامه قد يتحول مع الزمن إلى سلوك مألوف في حياته؛ لذلك جاءت حكمة العرب القديمة: "الصاحب ساحب"، وجاء التوجيه النبوي البليغ: (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل)[رواه الترمذي].

كم من شاب مستقيم عرف رفيق سوء، فبدأ الأمر بحديث عابر، ثم بمجلس متكرر، ثم بألفة جعلته يستسيغ ما كان ينكره، حتى انتهى به الطريق إلى ما لم يكن يتخيل أن يبلغه، وكم من إنسان غارق في الغفلة، ساقه الله إلى صاحب صالح، فأيقظ فيه معاني الخير، وفتح له أبواب الهداية، فكان ذلك الصديق سبباً في تغير حياته كلها.

ومن هنا فإن السؤال المهم ليس: كم صديقاً أملك؟ بل: أي نوع من الأصدقاء أملك؟

إن بعض الناس يخدعهم المظهر؛ فيرون رجلاً حسن الهيئة، فيحسبونه كاملاً في أخلاقه، ومعاملاته، ثم لا يلبثون أن يكتشفوا أن ذك الظاهر الحسن لا يوافق الباطن، وأن الكلمات الجميلة لا تعني دائماً صدق النيات، وقد يكون هذا الإنسان بعيدا عن الالتزام بأوامر الدين، فيألفه حتى يضعف في قلبه الشعور بعظمة الطاعة، وخطورة المعصية.

وهناك صنف من البشر قد لا يكون سيئاً في نفسه، لكنه لا يكف عن إثارة الشهوات في الأحاديث، والمجالس، فيوقظ في النفوس ما كان خامداً، ويشغل القلوب بما لا ينفعها، وهناك الأناني الذي لا يعرف الوفاء، ولا يقف مع الصديق عند الحاجة، ولا يمد له يد العون عند الشدة، ومن الناس من يظن أن الصداقة تعني أن يعين صاحبه على كل ما يريد، ولو كان ظلماً، أو غشاً، أو اعتداء على حقوق الآخرين، فيدفعه إلى الحرام باسم الوفاء، ويزين له الخطأ باسم المحبة.

ولهذا فإن الصديق الكامل نادر، كما أن الكمال في البشر جميعاً نادر، وليس المطلوب أن نبحث عن ملائكة تمشي على الأرض، وإنما أن نفتش عمن غلب خيرُه شرَه، واستقامت وجهته، وحسنت عشرته، وكان عوناً على الطاعة، لا معيناً على المعصية.

وقد أعجبني تشبيه الشيخ الطنطاوي للأصحاب حين قسمهم إلى مراتب تشبه حاجات الإنسان، ومضاره، فمن الأصدقاء: من هو كالهواء، لا غنى للمرء عنه، لأنه ينفعه في دينه، ودنياه، وتأنس النفس بصحبته، ومنهم من هو كالغذاء، كثير النفع، لكنه قد يضايق بطباعه، أو شدته، ومنهم من هو كالدواء، يحتاجه الإنسان أحياناً رغم مرارته، ومنهم من هو كالخمر التي تمنح لذة عاجلة، وتترك وراءها الخسارة، والندم، ومنهم من هو كالبلاء الذي لا خير فيه، ولا متعة، وإنما يفرض نفسه عليك فرضاً.

وهذا التصنيف لا يدعونا إلى القسوة في الحكم على الناس، وإنما يدعونا إلى الحكمة في ترتيب العلاقات، فليس كل الناس سواء في القرب، وليس من العقل أن نعطي الجميع المكانة نفسها في قلوبنا، وأسرارنا، ووقتنا.

إن أعظم ما ينبغي أن يكون ميزاناً في اختيار الصديق هو أثره في علاقتنا بالله تعالى، فالصديق الحق هو الذي إذا رأيته ذكرت الله، وإذا جلست إليه ازددت علماً، أو خلقاً، أو حكمة، وإذا ضعفت شد أزرك، وإذا أخطأت نصحك، وإذا نجحت فرح لك، وإذا احتجت إليه، وجدته إلى جانبك.

أما الذي يهون عليك المعصية، أو يسخر من الفضيلة، أو يجرك إلى اللهو الفارغ، أو يستهلك عمرك فيما لا ينفع، فمهما كان ظريفاً لطيفاً، فإنه ليس من الأصدقاء الذين تُبنى عليهم الحياة.

يحتاج كل واحد منا بين الحين والآخر، إلى مراجعة قائمة معارفه، كما يراجع التاجر حساباته، لا ليقطع الناس، أو يسيء الظن بهم، بل ليعرف من يستحق مزيداً من القرب، ومن ينبغي أن تبقى العلاقة معه في حدودها المناسبة.

فالأصدقاء ليسوا مجرد رفاق طريق، بل هم شركاء في صناعة الشخصية. ومن أحسن اختيارهم ربح كثيراً من غير مال، ومن أساء اختيارهم خسر كثيراً من غير أن يشعر، وما أجمل الكلمات العصرية: "أخبرني من تصاحب، أخبرك من أنت" فالصديق مرآة صديقه، والمرء في كثير من أحواله، صورة خفية لمن يجالسهم، ويأنس بهم ويقتدي بهم.

ومن أراد سلامة الطريق، فليختر لصحبته من يرفع همته، ويزكي نفسه، ويقوده إلى معالي الأمور؛ فخير الأصدقاء من كان لك عوناً على الخير، ودليلاً إلى الفضيلة، ورفيقاً يذكرك بالله إذا نسيت، ويعينك على طاعته إذا ذكرت.


مدار الساعة ـ