أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

من الأردن إلى العالم.. كيف أصبحت قضايا الإنسان لغةً في حضور الملكة رانيا الدولي؟


د. يوسف فايز الدلابيح
باحث في التاريخ السياسي والقانون الدولي – مختص في حقوق الإنسان

من الأردن إلى العالم.. كيف أصبحت قضايا الإنسان لغةً في حضور الملكة رانيا الدولي؟

د. يوسف فايز الدلابيح
د. يوسف فايز الدلابيح
باحث في التاريخ السياسي والقانون الدولي – مختص في حقوق الإنسان
مدار الساعة ـ

في المناسبات التي ترتبط بالشخصيات العامة، غالباً ما يتركز الاهتمام على الجانب الاحتفالي، بينما تتيح المناسبة نفسها أحياناً فرصة لقراءة أوسع لمسيرة امتدت لسنوات، وما تركته من حضور في القضايا التي تتجاوز الحدود الوطنية. وفي ذكرى ميلاد جلالة الملكة رانيا العبدالله، تبرز تجربة يمكن قراءتها من زاوية مختلفة؛ زاوية تتصل بحضور قضايا التعليم والطفولة واللاجئين وتمكين المرأة في الخطاب الإنساني الدولي.

ومن منظور حقوق الإنسان، فإن أهمية هذه القضايا لا ترتبط بشخصية بعينها فحسب، وإنما بمكانتها داخل منظومة الحقوق والحريات التي تطورت على المستوى الدولي خلال العقود الماضية. فالحق في التعليم، وحماية الطفل، وتمكين المرأة، وحماية اللاجئين، أصبحت موضوعات أساسية في المواثيق والاتفاقيات الدولية وفي أجندة المؤسسات الدولية.

وقد ارتبط حضور الملكة رانيا العبدالله على المستوى الدولي بصورة خاصة بهذه الملفات، من خلال مشاركاتها وخطاباتها ومبادراتها المرتبطة بالتعليم والطفولة واللاجئين وغيرها من القضايا الإنسانية. ويمكن النظر إلى هذا الحضور باعتباره أحد أشكال الدبلوماسية الإنسانية التي تستفيد من الخطاب العام والتواصل الدولي في تسليط الضوء على قضايا تمس حياة الإنسان بصورة مباشرة.

وتبرز قضية التعليم في مقدمة هذه الملفات. فالمادة (26) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أقرت حق كل شخص في التعليم، كما تناول العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية هذا الحق بصورة أكثر تفصيلاً. ومن هنا، فإن الاستثمار في التعليم لا يمثل خياراً تنموياً فقط، وإنما يرتبط كذلك بتمكين الإنسان وتوسيع قدرته على المشاركة في المجتمع والحياة الاقتصادية.

وفي الأردن، ارتبط اسم الملكة رانيا بعدد من المبادرات والمؤسسات التي اهتمت بتطوير التعليم وإتاحة المعرفة، ومن بينها مؤسسة الملكة رانيا للتعليم والتنمية ومنصة «إدراك» للتعلّم المفتوح عبر الإنترنت. وتكمن أهمية هذه المبادرات في أنها تتعامل مع التعليم باعتباره عملية مستمرة تتطلب تطوير أدوات التعلم والمعلمين والمناهج والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة.

أما على المستوى الدولي، فقد برزت قضايا اللاجئين والطفولة في جانب مهم من الخطاب الإنساني للملكة رانيا، في ظل الأزمات التي شهدتها المنطقة وما نتج عنها من آثار إنسانية واسعة. وهذه القضايا ترتبط مباشرة بمبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي للاجئين والقانون الدولي الإنساني، كلٌ في نطاقه القانوني.

فالطفل المتأثر بالنزاع أو النزوح لا يفقد حقوقه بسبب الظروف التي وجد نفسه فيها، واللاجئ يظل متمتعاً بالحماية التي تقررها القواعد الدولية ذات الصلة. ومن هنا تأتي أهمية إبقاء هذه القضايا حاضرة في النقاش الدولي، بعيداً عن اختزالها في أرقام أو إحصاءات، لأنها في جوهرها تتعلق بأشخاص وحقوق وكرامة إنسانية.

كما يمثل تمكين المرأة محوراً آخر في النقاش الدولي المعاصر حول التنمية والسلام والمشاركة. وقد أصبح هذا الموضوع جزءاً من منظومة دولية واسعة تشمل اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وأجندة التنمية المستدامة، وقرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالمرأة والسلام والأمن.

وفي هذا السياق، فإن حضور المرأة العربية في المجال العام والدولي يكتسب دلالة خاصة؛ ليس باعتباره نموذجاً فردياً فحسب، وإنما بوصفه جزءاً من التحولات التي شهدتها المجتمعات العربية في مجالات التعليم والعمل والمشاركة العامة.

ومن زاوية القانون الدولي، من المهم التمييز بين الدور الدبلوماسي والإنساني من جهة، والالتزامات القانونية الواقعة على الدول من جهة أخرى. فالشخصيات العامة والمؤسسات والمبادرات تستطيع أن تسهم في رفع الوعي وإيصال القضايا الإنسانية إلى المنابر الدولية، لكن حماية الحقوق وإنفاذ الالتزامات تظل في النهاية مسؤولية تقع على عاتق الدول والجهات المختصة وفقاً للقواعد القانونية ذات الصلة.

وهذا التمييز يجعل قراءة تجربة الملكة رانيا أكثر موضوعية؛ فالقيمة لا تكمن فقط في الخطاب، وإنما في قدرة الخطاب الإنساني على إبقاء قضايا الإنسان حاضرة في النقاش العام، وتشجيع المؤسسات والمجتمعات على التعامل معها بوصفها قضايا حقوق وليست مجرد ملفات إغاثية أو اجتماعية.

كما أن تطور أدوات التواصل في العصر الرقمي غيّر طبيعة الدبلوماسية العامة. فلم تعد الرسالة الإنسانية تصل فقط عبر المؤتمرات واللقاءات الرسمية، وإنما أصبحت المنصات الرقمية ووسائل الإعلام أدوات مؤثرة في تشكيل الوعي العالمي بالقضايا الإنسانية.

ومن هنا يمكن فهم أهمية الحضور الدولي للملكة رانيا في إطار أوسع من مفهوم «الصورة العامة»، ليصبح جزءاً من الدبلوماسية الناعمة التي تستطيع الدول من خلالها تقديم رؤيتها وتجربتها في ملفات تتصل بالإنسان والتنمية والتعليم والسلام.

وفي المحصلة، فإن المسيرة الإنسانية لجلالة الملكة رانيا تفتح مجالاً مهماً للتأمل في تطور مفهوم الدبلوماسية في العصر الحديث؛ فلم تعد العلاقات بين الدول محصورة في السياسة والاقتصاد، بل أصبحت قضايا الإنسان والتعليم والطفولة والمرأة واللاجئين جزءاً من الحوار الدولي.

ولعل القيمة الأهم في هذه التجربة أن القضايا الإنسانية، عندما تصل إلى المنابر الدولية، لا ينبغي أن تبقى مجرد عناوين مؤثرة، وإنما تتحول إلى وعي وسياسات ومبادرات تسهم في حماية الحقوق وتعزيز فرص الإنسان.

فالدبلوماسية في صورتها الحديثة لا تُقاس فقط بعدد اللقاءات والاتفاقيات، وإنما أيضاً بقدرتها على جعل صوت الإنسان حاضراً في النقاش الدولي.

وفي ذكرى ميلاد جلالة الملكة رانيا العبدالله، تبقى هذه الزاوية جديرة بالقراءة: كيف يمكن لصوتٍ ينطلق من الأردن أن يضع قضايا الإنسان في مساحة أوسع من الحدود، ويحوّل التعليم والطفولة والمرأة واللجوء من ملفات محلية وإقليمية إلى قضايا إنسانية تستحق أن تُسمع على المستوى الدولي؟

مدار الساعة ـ