أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

عندما تغيب الانثروبولوجيا عن السياسات العامة


نادر قديسات

عندما تغيب الانثروبولوجيا عن السياسات العامة

مدار الساعة ـ

لنتخيل بأن صانع القرار يمتلك عصا سحرية تمكنه من فهم المجتمع والجماعات التي تشكل ثقافته من مختلف النواحي الاقتصادية أوالدينية اوالسياسية وغيرها وجميع ما يمكن ان ندرجه تحت لفظة ثقافة, هذا الفهم لا يقوم على الانطباعات أو الافتراضات المسبقة وإنما يستند إلى دراسات وأبحاث علمية دقيقة وموضوعية تحاول الاقتراب من المجتمع كما هو وفهم احتياجاته وقيمه وأنماط تفكيره وسلوكياته، بعيدًا عن الأحكام المسبقة والانحيازات ومن هنا يبدأ بأعتقادي أول الخطوات الصحيحه في مسار التنمية.

ولوضوح اكثر لنضرب مثال بسيط لنتخيل أن الدولة قررت انشاء اكبر مركز فني في الأقليم والذي يعنى بصيانة السيارات الكهربائية وقدمت المشروع بوصفه انجازا تنمويا واستثمار غير مسبوق واختارت على سبيل المثال محافظة معان مقرا لهذا المشروع مستندة الى اعتبارات اقتصادية ولوجستيه, لكنها اغفلت سؤالا جوهريا هل يتوافق المشروع مع الواقع الاجتماعي والثقافي والجغرافي للسكان ؟

ففي بيئة يغلب عليها استخدام مركبات الدفع الرباعي بحكم طبيعة جغرافيا المكان وانماط التنقل والثقافة المحلية المرتبطة بهذا النوع من المركبات تصبح السيارات الكهربائية خيارا محدود الانتشار وبالتالي ينخفض الطلب على خدمات صيانتها وعندئذ فإن المشروع الذي صمم وفق اعلى المعايير الهندسية والاقتصادية قد تحول الى مشروع فاشل وذلك بسبب اغفال البُعد الانثروبولوجي ولعل كثيرًا من القراء يتساءلون: ما الأنثروبولوجيا؟ ببساطة هي العلم الذي يدرس الإنسان دراسةً شاملة بصفته البيولوجية والثقافية ويسعى إلى فهم القيم والعادات وأنماط المعيشة والعلاقات الاجتماعية وكيف تشكل هذه العناصر سلوك الأفراد والجماعات عبر الزمان والمكان.

وفي هذا ما يوضح ان نجاح السياسات العامة لا يتوقف على كفاءة التنفيذ او حجم الاستثمار بل يعتمد على فهم الانسان الذي صممت من اجله هذه السياسات فحين يغيب هذا الفهم تتحول التنمية إلى مشروع يستهلك الموارد دون أن يحقق أثرًا اجتماعيًا فالسياسات العامة لا تطبق على الخرائط بل على المجتمعات التي لا تٌفهم بالارقام وحدها وانما بفهم ثقافة الجماعات وانماط عيشها وهنا تحديدا يضيع صانع القرار هذة العصا السحرية .

وفي هذا ما يطرح السؤال الاهم: لماذا تُهمَّش الأنثروبولوجيا؟

فحين يُقصى علماء الإنسان عن طاولة صنع القرار ولا يتم الاعتراف بالتخصص اساسا يصبح الإنسان آخر من يٌعمل له في السياسات التي صُممت من أجله.

إن تهميش دور الانثروبولوجيا والانثروبولوجيين لا ينقص من العلم شيء بل يؤخر قدرة المجتمع والدولة على فهم التحولات التي تحدث داخلهم فتنعكس على قدرتها على التطور والنمو.

فالأنثروبولوجيا لا تكتفي بتحليل الإحصاءات بل تنزل إلى الميدان وتراقب الحياة اليومية وتفهم الثقافة من داخلها ولذلك تختلف عن كثير من أدوات البحث التقليدية اذا فالمشكلة ليست في غياب الحلول بقدر ما تكمن في غياب الاسئلة الصحيحة التي تسبق صناعة الحلول فهل تسائل صناع القرار مثلا عن الاسباب العميقة التي تقف خلف ارتفاع نسبة الجريمة في الاونة الاخيرة رغم تشديد العقوبات وتطور المنظومه الامنيه وهل تم التعامل مع هذه الظواهر بوصفها مجرد قضايا امنيه ام باعتبارها انعكاسا لتحولات اجتماعية وثقافية واقتصاديه تحتاج الى فهم اعمق؟

وكذلك الحال بالنسبة للسياسات الاقتصادية والاصلاحات التعليميه وبرامج التحديث السياسي فهذه الملفات لا يمكن اختزالها في المؤشرات المالية او نسب النجاح او النصوص القانونية وحدها وانما ترتبط بمنظومة القيم السائدة وثقافة المجتمع وانماط السلوك وصور السلطة وطبيعة العلاقات الاجتماعية فقد تفشل سياسة اقتصادية لانها اغفلت ثقافة الاستهلاك والانتاج لدى المجتمع وقد تتعثر اصلاحات تعليمية لانها لم تراع البيئة الاجتماعية والقيم التي تحكم العملية التعليمية وقد لا تحقق برامج التحديث السياسي اهدافها اذ لم تبنى على فهم حقيقي للثقافة السياسية هذه الاسئلة والاطروحات لا تستطيع الارقام وحدها الاجابة عليها بل تقع في صلب الانثروبولوجيا.

وهنا تظهر أهمية الأنثروبولوجيا وسائر العلوم الإنسانية فهي لا تنافس العلوم الصلبة أو الاقتصادية أو الهندسية أو الإدارية بل تكملها من خلال تقديم الإجابة عن السؤال الأكثر أهمية من هو الإنسان الذي صُممت هذه السياسات من أجله؟

إن إعادة الاعتبار للأنثروبولوجيا والعلوم الإنسانية في صناعة القرار ليست ترفًا أكاديميًا بل هي ضرورة لبناء سياسات أكثر واقعية لأن الدولة التي تعرف مجتمعها جيدًا تمتلك القدرة على استباق المشكلات قبل وقوعها وهذا هو الدور الحقيقي للأنثروبولوجيا والعلوم الإنسانية فهي لا تقدم لصانع القرار حلولًا سحرية لكنها تمنحه ما هو أهم من ذلك القدرة على فهم الإنسان قبل محاولة تغييره، وفهم المجتمع قبل السعي إلى إصلاحه. فنجاح السياسات العامة لا يبدأ من الموازنة العامة بل يبدأ من المعرفة الدقيقة بالمجتمع الذي صُممت هذه السياسات من أجله.

"إذا اردت ان تفهم مجتمعا فلا تكتفِ بالنظر الي ما يفعله الناس بل افهم لماذا يفعلونه"مارغريت ميد

مدار الساعة ـ