في مراحل الوطن الفارقة، لا تكون الحكمة في أن نرفع أصواتنا، وإنما في أن نرفع مستوى حديثنا.
ولا تكون قوة الموقف في حدّة الكلمات، وإنما في صدقها، وفي قدرتها على الجمع بين هيبة الدولة وكرامة المواطن، وبين متطلبات التنمية وحقوق الناس.وبعد سنوات طويلة في العمل العام والنيابي، وتجربة امتدت لثلاث دورات تحت قبة البرلمان، أقولها اليوم بكل وضوح وهدوء:الأردن ليس أمام مرحلة عادية، والأغوار الجنوبية ليست أمام قضية عابرة.نحن أمام مشاريع وطنية كبرى، وتحولات اقتصادية وإدارية مهمة، ومرحلة تحتاج إلى رجال دولة ينظرون إلى المستقبل بعينٍ مفتوحة، وإلى المواطن بعينٍ عادلة.وأمام هذه المرحلة، لا بد أن نبدأ من الثابت الذي لا خلاف عليه:الأردن أولًا، والدولة الأردنية فوق كل اعتبار، ووحدتنا الوطنية خط أحمر لا نسمح لأحد بتجاوزه.وفي هذا المقام، لا بد من تسجيل كل التقدير والاحترام لجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، الذي حمل أمانة هذا الوطن في أصعب الظروف، وحافظ على ثبات الأردن واستقراره ومكانته، وجعل من حماية الدولة وصون مصالحها عنوانًا دائمًا للمرحلة.كما نرفع أسمى مشاعر الاعتزاز بولي العهد سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، الذي نراه اليوم حاضرًا في مسيرة الدولة، يحمل طموح الشباب الأردني، ويستعد لتحمل أمانة المستقبل.حفظ الله جلالة الملك وسمو ولي العهد، وحفظ الأردن آمنًا عزيزًا مستقرًا.لكن محبة الوطن لا تعني أن نصمت عن احتياجات أبنائه.والانتماء للدولة لا يعني أن نتوقف عن المطالبة بالعدالة.بل إن من أصدق صور الانتماء أن نقول الحقيقة بأدب، وأن نطالب بحقوق أهلنا دون إساءة، وأن نقف إلى جانب الدولة في مشاريعها الوطنية، وفي الوقت ذاته نقف إلى جانب المواطن عندما تكون له مظلمة أو هاجس أو سؤال مشروع.ومن هنا أقولها:الأغوار الجنوبية ليست هامشًا جغرافيًا على خارطة الأردن، وليست منطقة تنتظر دورها في التنمية.الأغوار الجنوبية منطقة إنتاج، وزراعة، وعمل، وتضحيات، ورجال ونساء صنعوا من الأرض مصدر رزق لأجيال.وهي أيضًا منطقة تمتلك مقومات اقتصادية وسياحية وزراعية وصناعية ومائية يمكن أن تجعلها جزءًا أساسيًا من مستقبل الاقتصاد الوطني.ولهذا، فإن الحديث عن الأغوار اليوم يجب ألا يكون حديث مطالب فقط. بل يجب أن يكون حديث شراكة. نريد أن تكون الأغوار الجنوبية شريكًا في صناعة المستقبل، لا مجرد موقع تُقام عليه المشاريع.وهنا أصل إلى واحد من أكثر الملفات حساسية وأهمية، وهو ما يتعلق بمشروع السكة الحديدية والاستملاكات المرتبطة به، إضافة إلى الأراضي والتوسعات المرتبطة باستثمارات شركة البوتاس العربية. وأقولها بوضوح:لسنا ضد السكة الحديدية..... ولسنا ضد البوتاس....... ولسنا ضد الاستثمار. .....ولسنا ضد مشاريع الدولة.بل نحن مع كل مشروع يرفع اقتصاد الأردن، ويزيد صادراته، ويوفر فرص العمل لأبنائه، ويعزز مكانته الإقليمية.لكننا في الوقت ذاته نريد أن نقول شيئًا بسيطًا وعميقًا: لا نريد تنميةً تُشعر صاحب الأرض أنه خسر أرضه لكي يربح الوطن. نريد أن يشعر المواطن أن الوطن ربح، وهو أيضًا ربح معه. فالأرض الزراعية في الأغوار ليست مجرد قطعة أرض لها سعر في دفتر. إنها تعب سنوات، وعرق رجال، وذاكرة عائلات، ومصدر رزق، ومستقبل أبناء. ولذلك، فإن أي استملاك أو مبادلة أو تعويض يجب أن يتم بروح العدالة والشفافية، وأن يأخذ بعين الاعتبار ليس فقط قيمة الأرض، وإنما ما يرتبط بها من أشجار ومحاصيل ومنشآت ومصدر دخل. وإذا كان هناك مجال لتعديل مسار، أو تقليل استملاك، أو إيجاد بدائل هندسية، أو مبادلة تحقق العدالة، فليُدرس كل ذلك بعقل الدولة الواسع.وإذا كان الاستملاك ضرورة لا مفر منها، فليكن التعويض منصفًا، واضحًا، وشفافًا، يحفظ للمواطن كرامته ومستقبله.لكن هناك أمرًا أهم من كل ذلك:لا تجعلوا أبناء الأغوار متضررين من التنمية التي تقام على أرضهم.إذا مرت السكة من أرض الأغوار، فليمر معها العمل.وإذا توسعت الاستثمارات، فلتتوسع معها فرص أبناء المنطقة.وإذا أصبحت الأغوار جزءًا من ممر اقتصادي ولوجستي وصناعي، فلتصبح معها الأغوار الجنوبية مركزًا للاستثمار والخدمات والتشغيل.نحن لا نريد قطارًا يأخذ خيرات الأغوار إلى العالم فقط. نريد قطارًا يحمل خيرات الأغوار إلى العالم، ويعيد إليها الاستثمار والعمل والازدهار. وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة للجميع: التنمية ليست معركة بين الدولة والمواطن. الدولة تريد التنمية. والمواطن يريد التنمية. الدولة تريد الاستثمار. والمواطن يريد فرصة. الدولة تريد حماية الاقتصاد الوطني. والمواطن يريد حماية مصدر رزقه. إذن، أين الخلاف؟الخلاف فقط في أن نضمن أن تكون التنمية عادلة وشاملة ومستدامة. وهذه ليست مطالبة مستحيلة. بل هذه هي الدولة التي نريدها.دولة قوية بمؤسساتها، عادلة في قراراتها، قريبة من مواطنيها، تسمع أهل المحافظات كما تسمع أهل العاصمة، وتنظر إلى المناطق التي تحتاج التنمية بعين المسؤولية لا بعين الأرقام فقط.وأقول لأهلنا في الأغوار الجنوبية: طالبوا بحقوقكم، ولكن لا تجعلوا مطالبكم خصومة مع وطنكم. دافعوا عن أرضكم، ولكن لا تسمحوا لأحد أن يستخدم أرضكم لزرع الانقسام. ارفعوا صوتكم، ولكن اجعلوا صوتكم صوت العقل والحجة والقانون.فالأغوار الجنوبية لا تحتاج إلى من يصرخ باسمها. هي تحتاج إلى من يعرف كيف يطرق أبواب الدولة، وكيف يجلس مع المسؤول، وكيف يحول المطالب إلى قرارات ومشاريع. وأقول لصاحب القرار:اسمعوا الأغوار قبل أن تتحدثوا عنها. اجلسوا مع أهلها. اسمعوا المزارع قبل أن تقرروا مصير أرضه. اشرحوا للناس تفاصيل المشاريع....افتحوا أمامهم البدائل. واجعلوا أبناء المنطقة جزءًا من مستقبل المشاريع لا مجرد متأثرين بها. فالدولة القوية ليست التي لا يختلف معها أحد.الدولة القوية هي التي تستطيع أن تسمع الاختلاف، وتحتويه، وتحوله إلى فرصة لبناء الثقة. وفي هذه المرحلة، نحن بحاجة إلى تجاوز المناكفات والتصعيد الذي لا يخدم أحدًا. لا نريد معركة بين الأغوار والدولة. ولا نريد معركة بين المواطن والمستثمر. ولا نريد معركة بين التنمية والأرض.نريد معادلة أردنية واحدة: مشروع ينجح. ومواطن يُنصف. وأرض تُحترم. واستثمار يكبر. وفرص عمل تُخلق. ودولة تزداد قوة. هذه هي المعادلة التي تستحقها الأغوار الجنوبية. وهذه هي الرسالة التي يجب أن تصل إلى عمّان، وإلى كل مؤسسات الدولة، وإلى كل أردني: الأغوار الجنوبية لا تطلب امتيازًا فوق غيرها، وإنما تطلب عدالة تساويها بغيرها. ولا تريد أن تكون استثناءً. بل تريد أن تكون شريكًا. شريكًا في التنمية. شريكًا في الاقتصاد. شريكًا في القرار. وشريكًا في صناعة المستقبل. لقد علمتنا التجربة أن المناصب تذهب، والأسماء تتغير، لكن الوطن يبقى. وعلمتنا أيضًا أن الرجل الذي يخدم وطنه لا يقيس مواقفه بعدد التصفيق لها، وإنما بقدر ما تتركه من أثر في حياة الناس. ولهذا، فإن موقفي اليوم ليس موقف خصومة مع أحد، ولا مزايدة على أحد. إنه موقف رجل يؤمن أن الدولة تحتاج المواطن، والمواطن يحتاج الدولة، وأن أقوى طريق بينهما هو الثقة.فلنبنِ هذه الثقة. ولنجعل من مشاريع السكة الحديدية والبوتاس والاستثمارات القادمة فرصة تاريخية للأغوار الجنوبية، لا مصدرًا للقلق والانقسام.. ولنجعل من كل مشروع كبير بوابة لمشروع أكبر في الإنسان.. فالأرض يمكن أن تُستملك، والمشروع يمكن أن يُقام، والقطار يمكن أن يسير... لكن إذا أردنا للأردن أن يكسب المستقبل، فعلينا أن نضمن أن الإنسان الأردني هو أول من يشعر بثمار هذا المستقبل.حفظ الله الأردنوحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين وحفظ ولي عهده الأمين سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني و حفظ جيشنا العربي وأجهزتنا الأمنية ومؤسسات دولتنا وحفظ أهلنا في الأغوار الجنوبية وفي كل شبر من هذا الوطنوعاش الأردن وطنًا واحدًا، قويًا، عزيزًا، شامخًا، لا تهزه المناكفات، ولا تفرقه المصالح، ولا تكسره التحدياتوالله من وراء القصد