أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

من الأرض إلى الإنسان.. السردية الأردنية بين التاريخ والقانون ورؤية ولي العهد


د. يوسف فايز الدلابيح
باحث في التاريخ السياسي والقانون الدولي – مختص في حقوق الإنسان

من الأرض إلى الإنسان.. السردية الأردنية بين التاريخ والقانون ورؤية ولي العهد

د. يوسف فايز الدلابيح
د. يوسف فايز الدلابيح
باحث في التاريخ السياسي والقانون الدولي – مختص في حقوق الإنسان
مدار الساعة ـ

ليست السردية الوطنية مجرد استعادة لأحداث الماضي أو جمع للوقائع التاريخية، وإنما هي وسيلة لفهم العلاقة بين الأرض والإنسان والدولة، وكيف تشكلت عبر الزمن ملامح المجتمع ومؤسساته وهويته. ومن هذه الزاوية، يكتسب مشروع توثيق السردية الأردنية «الأرض والإنسان»، الذي يحظى بتوجيه ومتابعة من صاحب السمو الملكي الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، أهمية تتجاوز الجانب التوثيقي إلى أبعاد تتصل بالتاريخ السياسي وبناء الوعي الوطني.

فالدول لا تُفهم فقط من تاريخ تأسيسها الحديث، وإنما من خلال دراسة التحولات التي شهدتها أراضيها ومجتمعاتها عبر العصور، وما أنتجته تلك التحولات من تراكم حضاري وإنساني وسياسي. والأردن، بوصفه جزءاً من منطقة كانت على امتداد التاريخ ملتقى للحضارات والشعوب، يمتلك إرثاً تاريخياً وأثرياً متنوعاً يستحق أن يُدرس ويوثق ويقدم للأجيال وفق منهج علمي يعتمد على المصادر والأدلة، بعيداً عن المبالغة أو الانتقائية.

ومن هنا تأتي أهمية الانتقال من التعامل مع التاريخ بوصفه مادة للحفظ إلى التعامل معه باعتباره مجالاً للبحث والتحليل. فالسردية الوطنية الأكثر قوة ليست بالضرورة الأكثر ارتفاعاً في الخطاب، وإنما الأكثر قدرة على تقديم معلومات موثقة، وربط الأحداث بسياقاتها التاريخية، وإتاحة المجال أمام القارئ لفهم تطور المجتمع والدولة.

وتزداد أهمية هذه المسألة في عصر أصبحت فيه المعلومات متاحة بصورة غير مسبوقة، وأصبح الشباب يتلقون جانباً كبيراً من معرفتهم من المنصات الرقمية. ولذلك فإن توثيق التاريخ الوطني بلغة حديثة، واستخدام الوسائل الرقمية في عرضه، يمكن أن يسهم في تقريب المعرفة التاريخية من الأجيال الجديدة وتحويلها من مادة جامدة إلى معرفة حية قابلة للبحث والنقاش.

وفي هذا السياق، يكتسب اهتمام سمو ولي العهد بالشباب ودورهم في بناء المستقبل بعداً مهماً؛ فمعرفة الجيل الجديد بتاريخ بلده لا تعني العودة إلى الماضي فقط، وإنما تساعده على فهم الحاضر بصورة أعمق، وإدراك كيفية تشكل مؤسسات الدولة والمجتمع والتحولات التي مرت بها المملكة وصولاً إلى صورتها المعاصرة.

ومن منظور التاريخ السياسي، فإن نشوء الدولة الأردنية الحديثة لا يمكن فصله عن الظروف الإقليمية والدولية التي أحاطت بالمنطقة خلال بدايات القرن العشرين، ولا عن تطور المؤسسات السياسية والدستورية والإدارية التي رافقت بناء الدولة منذ تأسيس إمارة شرق الأردن عام 1921 وصولاً إلى المملكة الأردنية الهاشمية ومؤسساتها الدستورية الحديثة.

وهنا يبرز القانون بوصفه أحد العناصر المهمة في فهم تطور الدولة. فالدستور ليس مجرد نصوص قانونية، وإنما يمثل إطاراً لتنظيم العلاقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع، وتحديد الحقوق والواجبات، وترسيخ مبادئ سيادة القانون والمواطنة والمساواة أمام القانون.

ومن هذه الزاوية، فإن دراسة التاريخ السياسي للدولة الأردنية لا ينبغي أن تقتصر على الأحداث والشخصيات، وإنما تمتد إلى دراسة تطور المؤسسات والتشريعات والمفاهيم الدستورية التي أسهمت في تشكيل الحياة العامة.

كما أن التاريخ يرتبط بصورة وثيقة بحقوق الإنسان. فالإنسان ليس مجرد متلقٍ للتاريخ، وإنما هو صانعه وموضوعه في الوقت ذاته. وعندما توثق مسيرة المجتمعات، فإنها توثق أيضاً تطور التعليم والعمل والحياة الاجتماعية والمشاركة العامة، وتطور مفهوم الحقوق والحريات عبر الزمن.

وهذا ما يجعل الربط بين «الأرض والإنسان» ذا دلالة تتجاوز الجانب الجغرافي؛ فالأرض تمثل المجال الذي تتشكل فيه المجتمعات، والإنسان هو الذي يمنح هذا المجال قيمته الحضارية والاجتماعية، بينما تشكل الدولة والمؤسسات والقانون الإطار الذي ينظم حياة المجتمع ويحفظ استقراره.

ومن منظور القانون الدولي وحقوق الإنسان، تبرز كذلك أهمية حفظ الذاكرة التاريخية والثقافية للشعوب، باعتبار أن التراث والثقافة والهوية عناصر أساسية في حياة المجتمعات، وقد أصبح الحفاظ على التراث الثقافي والتنوع الثقافي جزءاً مهماً من النقاش الدولي حول حماية الهوية والحق في المشاركة في الحياة الثقافية.

وفي هذا الإطار، يمكن لمشروعات التوثيق الوطني أن تؤدي دوراً مهماً في تقديم التاريخ للأجيال الجديدة بصورة علمية، بحيث لا تتحول السردية الوطنية إلى رواية مغلقة، وإنما إلى مساحة معرفية تقوم على الوثيقة والدليل والبحث، وتتيح للأجيال فهم تاريخها بصورة أعمق وأكثر توازناً.

وتتضاعف أهمية هذا المسار في العصر الرقمي، حيث لم تعد المعلومة التاريخية محصورة في الكتب والمؤسسات التقليدية، وأصبح تداولها سريعاً وواسعاً. ولذلك فإن بناء محتوى تاريخي موثق وسهل الوصول إليه يمثل وسيلة مهمة لتعزيز المعرفة العامة، خصوصاً لدى الشباب.

وهنا تبرز أهمية المبادرات التي تستثمر في الأدوات الرقمية والمنصات الحديثة لتقديم التاريخ الأردني، لأنها تخاطب الجيل الجديد باللغة التي يتفاعل معها، وتمنحه فرصة للتعرف إلى تاريخ بلده من خلال محتوى أقرب إلى اهتماماته اليومية.

ولا تقتصر قيمة ذلك على تعزيز المعرفة التاريخية، وإنما تمتد إلى بناء وعي قادر على التمييز بين المعلومة والرأي، وبين الوثيقة والتفسير، وبين القراءة العلمية والخطاب غير الموثق. وهذه مهارات تسهم في بناء مواطن أكثر وعياً وقدرة على المشاركة في المجتمع.

وفي النهاية، فإن قوة السردية الأردنية لا تحتاج إلى المبالغة في وصف الماضي، وإنما إلى تقديمه كما كان، بأحداثه وتحولاته وتنوعه، مستندة إلى البحث العلمي والوثائق والشواهد التاريخية والأثرية. فالتاريخ الذي يستند إلى الدليل يكون أكثر قدرة على الصمود أمام الاختلاف في التفسير، وأكثر قدرة على الوصول إلى الأجيال الجديدة.

ومن هنا، فإن مشروع «الأرض والإنسان» يمكن النظر إليه باعتباره مساحة تجمع بين التاريخ والهوية والإنسان، وتفتح المجال أمام قراءة تطور الدولة الأردنية في سياقها التاريخي والسياسي والقانوني، مع الاستفادة من أدوات العصر في إيصال هذه المعرفة إلى المجتمع.

ولعل القيمة الأهم في مثل هذه المشاريع أن تجعل معرفة التاريخ وسيلة لفهم المستقبل؛ فالشباب الذين يعرفون كيف تشكل مجتمعهم ودولتهم ومؤسساتهم يكونون أكثر قدرة على قراءة حاضرهم والمشاركة في صناعة مستقبلهم.

فالسردية الوطنية ليست مجرد حكاية عن الماضي، وإنما معرفة بالحاضر واستعداد للمستقبل؛ وكلما كانت أكثر توثيقاً وموضوعية، كانت أكثر قدرة على بناء وعي يحترم التاريخ، ويفهم القانون، ويضع الإنسان في مركز الحكاية.

مدار الساعة ـ