أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

اتركوا عزمي محافظة يعمل... فالتعليم لا يُدار بالصخب ولا تُبنى السياسات تحت ضغط الشعبوية


أ.د. محمد تركي بني سلامة

اتركوا عزمي محافظة يعمل... فالتعليم لا يُدار بالصخب ولا تُبنى السياسات تحت ضغط الشعبوية

مدار الساعة ـ

تابعتُ بأسف بعض المشاهد التي تناقلتها وسائل التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الإعلام من لقاء معالي وزير التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية، الأستاذ الدكتور عزمي محافظة، بعدد من النواب، وما رافقها من أصوات تطالب باستقالة الوزير. ومن حق مجلس النواب أن يسائل ويراقب وينتقد، فهذا جوهر دوره الدستوري، لكن من حق الأردنيين أيضاً أن تُعرض أمامهم الصورة كاملة، لا أن يسمعوا صوت الاعتراض بينما تغيب عنهم حقائق المشهد وتعقيداته.

الدكتور عزمي محافظة لا يدير وزارة تقليدية في ظرف اعتيادي، بل يقف اليوم في قلب واحد من أكبر مشاريع إعادة هيكلة التعليم وتنمية الموارد البشرية في الأردن، وفي مرحلة تتداخل فيها ملفات المدرسة والجامعة والقبول والتخصصات وسوق العمل، بالتزامن مع تطبيق نظام الحقول في المسار الأكاديمي وما أحدثه من تحولات في اختيارات عشرات الآلاف من الطلبة.

والأرقام هنا أبلغ من الخطابات.

فالبيانات المنشورة تظهر أن عدد الطلبة في الحقل الصحي بلغ نحو 30,486 طالباً، مقابل 25,397 طالباً في حقل اللغات والعلوم الاجتماعية والقانون والعلوم الشرعية، و13,634 طالباً في الهندسة والعلوم والتكنولوجيا، و2,035 طالباً في الأعمال.

هذه ليست أرقاماً عابرة، بل مؤشرات على تحولات اجتماعية وتعليمية عميقة ينبغي قراءتها بعقل الدولة، لا بمنطق رد الفعل.

فعندما يتجه أكثر من ثلاثين ألف طالب إلى الحقل الصحي، بينما تبقى المقاعد المتاحة لدراسة الطب محدودة للغاية مقارنة بهذا العدد، فإننا أمام فجوة كبيرة بين طموحات الطلبة والقدرة الاستيعابية للجامعات. وإذا كان جزء كبير من هؤلاء الطلبة يحلم بدراسة الطب، فأين سيذهب من لا يجد مقعداً؟ هل سيدرس تخصصاً صحياً آخر؟ هل يغيّر مساره؟ أم سيغادر الأردن باحثاً عن كلية طب في الخارج؟

هذه الأسئلة لا تُحل بالصراخ في وجه الوزير، ولا بالمطالبة باستقالته، وإنما بسياسة وطنية متكاملة للقبول الجامعي توازن بين رغبات الطلبة، والطاقة الاستيعابية، وجودة التعليم، وحاجات سوق العمل، وتستثمر كذلك علاقات الأردن الثقافية والاتفاقيات والمنح والمقاعد المتاحة للطلبة الأردنيين في الخارج.

والأمر نفسه ينطبق على القانون والشريعة والعلوم الاجتماعية. فالدولة مطالبة بألا تنظر إلى هذه التخصصات بمنطق الأرقام المجردة. المجتمع بحاجة إلى قانونيين أكفاء، كما يحتاج إلى خريجي شريعة على مستوى عالٍ من العلم والوعي والاعتدال. وفي مجتمع عربي مسلم يقوم خطابه الديني الرسمي على الوسطية والاعتدال، تصبح جودة من يلتحق بكليات الشريعة مسألة تتجاوز التخصص الجامعي لتلامس الأمن الفكري والثقافي للمجتمع.

لكن المشكلة الأكبر، في تقديري، ليست في الوزير وحده، بل في غياب الرواية الإعلامية الرسمية القادرة على شرح ما يحدث.

لقد نجح الإعلام في نقل أصوات النواب الذين انتقدوا الوزير وطالب بعضهم باستقالته، وهذا حقهم، لكن أين الصوت الذي يشرح للأردنيين لماذا تغير نظام الثانوية العامة؟ وماذا تعني الحقول؟ ولماذا ظهرت هذه الاختلالات الكبيرة في توجهات الطلبة؟ وما علاقة ذلك بسوق العمل؟ وما الخطة التي تعمل عليها الدولة لمعالجة النتائج؟

ليس من العدل أن نضع الوزير في مواجهة كل هذه الملفات، ثم نطالبه في الوقت نفسه بأن يتحول إلى وزير وناطق رسمي ومفسر ومسوّق إعلامي لكل قرار.

هذه مسؤولية الإعلام الرسمي أيضاً.

فالإعلام في زمن الإصلاح ليس مجرد كاميرا تنقل الأزمة بعد وقوعها؛ بل شريك في بناء الوعي العام، وواجبه أن يشرح القرار قبل أن يتحول إلى شائعة، وأن يقدم المعلومة قبل أن تملأ الفراغَ التأويلاتُ والانطباعات.

أما ملف مجلس التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية ومجالس أمناء الجامعات، فقد سبق أن تحدثنا عنه، وكان منتظراً أن يشهد الأربعاء 26 آب 2026 تطوراً مهماً. لكن المواطن بقي مرة أخرى أمام معلومات محدودة وتساؤلات كثيرة. وإذا تأجل اجتماع أو قرار، فمن حق الرأي العام أن يعرف، وإذا عُقد، فمن حقه كذلك أن يعرف ماذا جرى فيه. الفراغ الإعلامي لا يبقى فراغاً؛ سرعان ما تملؤه الشائعات.

إن الدكتور عزمي محافظة ليس فوق النقد، ولا ينبغي لأي مسؤول أن يكون كذلك. ناقشوا قراراته، حاسبوه على النتائج، وانتقدوا ما ترونه خطأ، فهذا حق مشروع. لكن هناك فرقاً كبيراً بين المساءلة التي تُصلح والشعبوية التي تهدم، وبين نقد السياسة ومحاولة إسقاط صاحبها قبل أن تتاح لها فرصة الاختبار.

إصلاح التعليم ليس قراراً شعبوياً يبحث عن التصفيق، ولا مشروعاً تظهر نتائجه خلال أسابيع أو أشهر. إنه من أصعب ملفات الدولة وأكثرها حساسية، لأن الخطأ فيه لا تظهر آثاره غداً فقط، بل قد يدفع ثمنه جيل كامل بعد سنوات.

ولهذا أقولها بوضوح:

اتركوا الدكتور عزمي محافظة يعمل.

أعطوه المساحة اللازمة لتنفيذ رؤيته، ثم حاسبوه على النتائج. فهو يتحمل مسؤولية وطنية ثقيلة، ويحظى بثقة سيد البلاد، وهو أهل لهذه الثقة.

وفي المقابل، على الإعلام الرسمي أن يخرج من حالة التردد، وأن يكون أكثر جرأة ومبادرة في شرح سياسات الدولة والدفاع عن الحقيقة، لا عن الأشخاص. فالمواطن الأردني يستحق أن يعرف ماذا يجري في أهم قطاع يمس مستقبل أبنائه.

الأردن لا يحتاج إلى مزيد من الضجيج حول التعليم؛ بل إلى قرار شجاع، ورؤية بعيدة المدى، وإعلام مسؤول، ومساءلة موضوعية.

فالدول لا تبني مستقبل أبنائها بالصخب،

والتعليم لا يُصلح تحت ضغط الشعبوية.

مدار الساعة ـ