أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مناسبات مستثمرون شهادة الموقف أحزاب جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

في عقل الرئيس.. أبعد من التعديل


د.محمد ابورمان
وزير أردني سابق

في عقل الرئيس.. أبعد من التعديل

د.محمد ابورمان
د.محمد ابورمان
وزير أردني سابق
مدار الساعة (الدستور الأردنية) ـ

لفهم التعديل الوزاري الأخير، ربما يكون من المفيد الخروج قليلاً من السؤال التقليدي: لماذا خرج هذا الوزير ودخل ذاك؟ إلى سؤال آخر يتعلق بالطريقة التي يفكر بها رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان في وظيفة الحكومة والوزير والتعديل نفسه.

فالتعديل، وفق هذا المنطق، ليس غاية بحد ذاته، ولا مناسبة دورية لتغيير الوجوه أو تنفيع الأصدقاء والمعارف، بل أداة تستخدم عند الضرورة للتأكد من أن الفريق الوزاري يعمل بصورة منسجمة ومتكاملة، وقادر على إنجاز المهمات المطلوبة منه. بل إنّ لدى حسان قناعة بأن كثرة التعديلات ليست بالضرورة دليلاً على قوة الرئيس ونفوذه، وقد تعني العكس؛ مشكلة في الاختيار أو إدارة الفريق، فضلاً عما تتركه من آثار على استمرارية العمل وإنجاز الخطط.

هذه النظرة ليست منفصلة عن تحول أوسع طرأ على وظيفة الحكومة داخل النظام السياسي، خصوصاً مع مشروعات التحديث الثلاثة، ودسترة مخرجاتها وقوننتها، وما رافق ذلك من إعادة توزيع للأدوار بين مؤسسات الدولة. ضمن هذا السياق يمكن فهم مسألتين رئيسيتين في نموذج حسان؛ الأولى أن عمل الوزارات أصبح أكثر تشابكاً، وأن ملفات عديدة لم تعد قابلة للإدارة داخل حدود وزارة واحدة، من هنا يأتي رهان الرئيس على نوابه في المرحلة المقبلة لترتيب العمل وتنسيقه بصورة أكثر فاعلية، وتجاوز ظاهرة «الجزر المعزولة» التي وسمت العمل الحكومي خلال حقب سابقة. أما المسألة الثانية، فهي أن وظيفة الوزراء أصبحت، في هذا النموذج، تنفيذية بدرجة أكبر من كونها تخطيطية. فالمسار العام مرتبط بمشروعات التحديث السياسي والاقتصادي والإداري، وهي مشروعات يفترض أن تكون عابرة للحكومات، وأن تلتزم الحكومات المتعاقبة بمساراتها إلى أن نصل، وفق الرؤية المعلنة، إلى مرحلة أكثر تقدماً في تشكيل الحكومات الحزبية البرلمانية.

ووفقاً لهذا النموذج فإنّ اهتمام الرئيس ينصب على ترجمة الخطط والسياسات إلى نتائج على الأرض من خلال فريق وزاري ميداني نشيط، ومنذ الأيام الأولى وضع حسان قائمة Checklist للمشروعات الحكومية وجدولاً زمنياً Timeline لتنفيذها، وأي شيء يقع خارج هذا الإطار المبرمج بالنسبة له – لحسان- بمثابة إزعاج وملهيات (Distractions)، ويصبح الوزير، بناءً على ذلك، مسؤولاً عن إنجاز مهمات محددة وتطوير الخدمات والأداء في وزارته.

هذا هو المنطق الذي يمكن من خلاله فهم طريقة تفكير حسان، وهو نموذج له مؤيدون وله معارضون بطبيعة الحال في الأوساط السياسية الأردنية، وإذا كان ليس ضرورياً أن نتفق معه، لكن من المهم قبل التقييم أن نفهم المنطق الذي يحكم قراراته وطبيعة التحول الذي طرأ على موقع الحكومة ومهمتها، وهو ما يوضّح لنا موقف حسان المتحفظ تجاه التعديل؛ فإذا ظهر تقصير في أداء أحد الوزراء، وكان بالإمكان معالجة الفجوة من دون تغييره، فلماذا التعديل؟ فلا يوجد فريق مثالي، ولا ضمانة بأن يكون البديل أفضل، فيما يدفع تغيير الوزير كلفة من الوقت والاستمرارية وفهم الملفات.

من زاوية أخرى، فإن التصريح الصحافي الذي صدر عن مكتب الرئيس عشية التعديل خطوة مهمة، وسنة حسنة ينبغي تكريسها، وإن كان الأفضل أن يصدر مثل هذا التوضيح قبل ذلك بأيام. فليس من المنطقي أن يبقى التعديل أحجية حتى بالنسبة إلى الوزراء أنفسهم، فضلاً عن الرأي العام، وربما هذا هو الأمر الذي يؤدي عادة إلى رفع سقوف التوقعات وفتح شهية المستوزرين وتعطيل أو تجميد العمل الحكومي لأيام وربما لأسابيع بسبب أجواء التعديل، فيتفاجأ وزير بخروجه وآخر بدخوله، فإذا كنا أمام منطق جديد للعمل الحكومي، فمن المفترض أن يصاحبه أيضاً قدر أكبر من الوضوح؛ إبلاغ الوزراء المغادرين، وتوضيح المعايير التي تحكم التغيير والمهمات المطلوبة من القادمين الجدد. فالهدف ليس تبديل الأسماء، وإنما معالجة فجوات في الفريق الوزاري.

على الجهة المقابلة حمل التصريح (نفسه) إشارة إلى تعديل في شتاء العام القادم، يتضمن استدخال أحزاب سياسية- برلمانية في التشكيل الحكومي، وهو أمر سنناقشه في مقالات قادمة، لكن من المهم الإشارة هنا إلى أنّ إدماج الأحزاب بالحكومة ليست مسألة اعتباطية، بل تتطلب بروتوكولات ومفاوضات وتفاهمات على البرنامج والاجندة، وهو أمر من المفترض أن يتم مع حزب أو تحالف حزبين – على الأكثر- كي لا يكون دخول الأحزاب للحكومة أشبه بالمثل الشعبي «سمك، لبن، تمر هندي»، وبالتالي نصبح في مشكلة أكثر تعقيداً.

في نهاية المطاف، النموذج كله في مرحلة اختبار في الحالة الأردنية، إذ لا يُقاس نجاح الحكومة بمدى انضباط فريقها خلف رئيسها، ولا بعدد المشروعات الموضوعة في جداول الإنجاز، بل بقدرتها على تحويل مشروعات التحديث من خطط وسياسات وجداول زمنية إلى أثر يراه المواطن ويشعر به، وهذا هو جوهر عملية التقييم، لا من يدخل أو يخرج من الأسماء في الفريق الوزاري.

مدار الساعة (الدستور الأردنية) ـ