مدار الساعة - كتب اشرف السعودي -
ليست الأوسمة زينةً تُضاف إلى صدر اللحظة، ولا التكريمات مشاهد بروتوكولية تنتهي بانفضاض المناسبة؛ فالتكريم الحقيقي شهادةٌ ينطق بها الزمن حين يصبح العطاء أكبر من أن يُغفل، وإقرارٌ بأن أثر الإنسان قد تجاوز حدود المنصب والوظيفة، واستقرّ في ذاكرة المؤسسة ووجدان من عرفوه. ومن هذا المعنى الرفيع، جاء تكريم الجامعة الأردنية لعطوفة الأستاذ الدكتور هاني النوافلة بوصفه أحد قاماتها العلمية؛ تقديرًا لدوره البارز في كلية التمريض أستاذًا ومعلّمًا ومُلهمًا، وإسهاماته في دعم القطاع الصحي خلال عضويته في مجلس النواب الأردني، وإنجازاته في موقعه الحالي أمينًا عامًا للمجلس التمريضي الأردني.وحين تكرّم الجامعة أحد رجالاتها، فإنها لا تحتفي باسمٍ مجرّد، ولا تستعيد سيرةً مهنية فحسب؛ بل تنحاز إلى قيم العلم والوفاء والعطاء، وتقول للأجيال إن المعرفة الصادقة لا تنتهي بانتهاء المحاضرة، وإن المسؤولية لا تُقاس بما تمنحه من سلطة، بل بما تتيحه من قدرةٍ على خدمة الإنسان والمؤسسة والوطن. ولعل العبارة التي وصفت دوره في كلية التمريض"أستاذًا ومعلّمًا ومُلهمًا"، هي أبلغ ما يلخّص جوهر مرحلته الأكاديمية؛ فهي ليست أوصافًا متجاورة، ولا مترادفاتٍ تُقال للتجميل، بل مراتب متصاعدة في صناعة الأثر: فالأستاذ يمنح العقل معرفة، والمعلّم يغرس في الإنسان قيمة، أمّا المُلهم فيوقظ فيه إرادةً، ويفتح أمامه أفقًا، ويجعله يرى في ذاته من الإمكان ما لم يكن يراه من قبل. كان أستاذًا بما تحمله الأستاذية من هيبة العلم وأمانته؛ فالأستاذ الحق لا يكتفي بنقل المعرفة، وإنما يصون مكانتها، ويؤسس لمنهجٍ في التفكير، ويعلّم طلبته أن العلم مسؤوليةٌ أخلاقية قبل أن يكون تحصيلًا أكاديميًا. والأستاذية، بهذا المعنى، ليست لقبًا تمنحه الجامعة، بل منزلةٌ يصنعها الاجتهاد، وتثبتها الممارسة، ويحفظها ما يتركه الأستاذ في عقول طلبته من قدرةٍ على السؤال والتحليل والتجديد.وكان معلّمًا؛ لأن التعليم أعمق من أن يُختزل في محاضرة، وأبقى من أن يُحصر في كتاب. فالمعلّم الحقيقي لا يملأ الذاكرة بالمعلومات، بل يبني الإنسان، ويغرس فيه الثقة والانضباط والنزاهة والانتماء، ويقوده إلى إدراك قيمة رسالته ومسؤوليته تجاه مجتمعه. وفي هذا المقام، لم تكن كلية التمريض مجرد مكانٍ للعمل، بل فضاءً لصناعة الكفاءة، وبناء الشخصية المهنية، وترسيخ المعنى الإنساني لمهنةٍ تقوم في جوهرها على الرعاية والرحمة وصون كرامة الإنسان.وكان مُلهمًا؛ وتلك أرفع مراتب الحضور وأعمقها أثرًا. فالإلهام لا يُدرَّس في المناهج، ولا يُمنح بقرار، ولا يصنعه اللقب؛ بل يولد من صدق التجربة، ونبل الغاية، واتساق القول مع الفعل. والمُلهم لا يصنع من الآخرين نسخًا منه، وإنما يحرّر طاقاتهم، ويمنحهم شجاعة المحاولة، ويوقظ فيهم الإيمان بأن النجاح ليس بعيدًا، وأن الطريق إلى التميّز يبدأ بفكرةٍ صادقة وإرادةٍ لا تنكسر. ولذلك يبقى أثر المُلهم حاضرًا بعد أن تنتهي الكلمات، وتظل مواقفه ممتدةً في اختيارات من عرفوه وتعلّموا منه.ومن رحاب الجامعة انتقلت رسالته إلى ميدان العمل الوطني عضوًا في مجلس النواب الأردني، من دون أن يغادر جوهر رسالته العلمية والمهنية؛ فحمل معرفة الميدان إلى فضاء التشريع والنقاش العام، وأسهم في دعم قضايا القطاع الصحي انطلاقًا من خبرةٍ علمية وعملية، وإدراكٍ عميق بأن صحة الإنسان ليست شأنًا قطاعيًا محدودًا، بل ركيزةٌ من ركائز أمن المجتمع وكرامته واستقراره.ولم تكن عضويته في مجلس النواب انتقالًا من رسالةٍ إلى أخرى، بل اتساعًا لدائرة الرسالة ذاتها؛ لأن من يحمل ضمير المعلّم لا ينفصل عن قضايا مجتمعه، ومن يؤمن بقيمة العلم لا يحصره داخل أسوار الجامعة، ومن يمتلك روح الإلهام يجعل من خبرته صوتًا للمصلحة الوطنية، ومن معرفته أداةً للإسهام في صناعة القرار وخدمة المواطنين.واليوم، يواصل الأستاذ الدكتور هاني النوافلة هذه المسيرة من موقعه أمينًا عامًا للمجلس التمريضي الأردني، في ظل القيادة الحكيمة لصاحبة السمو الملكي الأميرة منى الحسين، رئيس المجلس، حيث اتسعت دائرة أثره من بناء الطالب إلى الإسهام في بناء المهنة، ومن التعليم الأكاديمي إلى القيادة المؤسسية. فحمل إلى المجلس دقة الأستاذ، وضمير المعلّم، ورؤية المُلهم، وتعامل مع المسؤولية بوصفها أمانةً وطنية، ومع القيادة باعتبارها قدرةً على تحويل المعرفة إلى سياسات، والرؤية إلى مسارات، والطموح إلى منجزاتٍ تعزز مكانة مهنتي التمريض والقبالة وترتقي بمستقبل ممارسيهما.ويستلهم النوافلة في أداء مسؤولياته من خبرة سموها الممتدة، ورؤيتها الريادية، وتوجيهاتها الحكيمة التي جعلت من الارتقاء بالتمريض الأردني وتمكين كوادره مشروعًا وطنيًا راسخًا. وقد شكّل العمل تحت قيادة سموها مصدر إلهامٍ واعتزاز، ومدرسةً في القيادة القائمة على الإيمان بالإنسان، واستشراف المستقبل، وتحويل الطموحات إلى إنجازاتٍ مؤسسية مستدامة؛ فتتكامل رؤية سموها الاستراتيجية مع خبرته الأكاديمية والتشريعية والإدارية في خدمة المهنة والقطاع الصحي.وفي موقعه الحالي، لا تبدو الإدارة غايةً في ذاتها، بل وسيلةً للبناء والتطوير، وترجمةً عملية لرؤية سموها في أن تكون مهنتا التمريض والقبالة ركيزتين أساسيتين في النظام الصحي الوطني؛ فالمؤسسات لا تنهض بكثرة القرارات وحدها، وإنما تنهض بوضوح الرؤية، وصلابة القيم، والاستثمار في الإنسان. وهكذا امتدت رسالة الأستاذ من قاعة الدرس إلى فضاء الوطن، ثم إلى قيادة العمل التمريضي المؤسسي؛ فأصبح التعليم ممارسةً أوسع غايتها رفع الكفاءة، وترسيخ الاختصاص، وتمكين الكوادر، وتعزيز حضور التمريض والقبالة شريكين أصيلين في صناعة الصحة وخدمة المجتمع.إن هذا التكريم لا يحتفي بمنصبٍ شغله الأستاذ الدكتور هاني النوافلة، ولا بلقبٍ علمي حمله، وإنما يحتفي بوحدة الرسالة التي ربطت مختلف مراحل مسيرته: أستاذًا جامعيًا بنى العقول، ونائبًا حمل قضايا القطاع الصحي إلى رحاب العمل الوطني، وأمينًا عامًا يقود اليوم مسيرة التطوير المهني والمؤسسي.وهو، في معناه الأوسع، تكريمٌ للأستاذية حين تقترن بالمسؤولية، وللتعليم حين يتحول إلى بناءٍ للإنسان، وللعمل العام حين يستند إلى العلم والخبرة، وللقيادة حين تجعل من المعرفة قوةً للإصلاح، ومن الموقع بابًا للعطاء.وإن أسرة المجلس التمريضي الأردني، إذ تعتز بهذا التكريم المستحق، ترى فيه مصدر فخرٍ للمجلس ولأسرة التمريض الأردني بأسرها؛ فما يُكرَّم اليوم ليس اسمًا منفردًا، بل نموذجٌ للعطاء الذي تتكامل فيه المعرفة والقيادة والخدمة الوطنية، وصورةٌ للقامة العلمية حين تغادر حدود الذات لتصبح أثرًا في الآخرين، وقيمةً في المؤسسة، وإضافةً إلى الوطن.مباركٌ لعطوفة الأستاذ الدكتور هاني النوافلة هذا التكريم الذي يليق بمسيرته، ومباركٌ للجامعة الأردنية وفاؤها لقاماتها العلمية. وسيظل وصفه "أستاذًا ومعلّمًا ومُلهمًا" أبلغ من أي لقب؛ لأن الأستاذ يُذكَر بما علّم، والمعلّم بما غرس، والمُلهم بما أيقظ في الآخرين من طموحٍ وأمل.فالإنسان قد يغادر موقعًا، وقد تنقضي مرحلةٌ من مراحل المسؤولية، غير أن العلم الذي نشره، والقيم التي غرسها، والعزائم التي أيقظها، والمؤسسات التي أسهم في بنائها، تبقى شاهدةً عليه؛ وذلك هو التكريم الأعظم، وتلك هي السيرة التي لا يطويها الزمن.النوافلة أستاذًا ومعلّمًا ومُلهمًا.. تكريمٌ يليق بقامةٍ صنعت من العلم رسالةً، ومن العطاء أثرًا
مدار الساعة ـ











