مدار الساعة - كتب: محرر الشؤون الأكاديمية - هذا هو المشهد في الجامعة الأردنية مع ختام احتفالات الفوج الحادي والستين، المسمى "فوج الهواشم"، رائق.
الأمر يتجاوز ذلك. القراءة للبيانات المعلنة تكشف عن دلالات تحول عميق في البنية المجتمعية؛ فحين يُزفّ نحو 12,519 خريجا وخريجة إلى السوق بينهم 9372 في مرحلة البكالوريوس، و1469 في الدراسات العليا، و1678 في دبلوم إعداد المعلمين فيما تشكل الإناث ثلثي هذه الكوكبة، فنحن أمام تحول ديموغرافي ومعرفي يعيد رسم خريطة القوة البشرية في الأردن.الدكتور نذير عبيدات، رئيس الجامعة، لم يقف عند حدود التهنئة التقليديّة، بل ذهب إلى عمق الفلسفة التي قامت عليها هذه المؤسسة العريقة، مؤكدًا أن الحرم الجامعي لم يكن مجرد أحجار وقاعات، بل كان نقطة البداية لطريق طويل وشاهداً على ميلاد الوعي والشخصية، حيث يتقاطع الزمان بالمكان ليعيد تشكيل مفهوم المواطنة الحقيقية.وقد توقف رئيس الجامعة عند البُعد الإنساني الصرف، مستحضراً صورة يد الفلاح الأردني التي جرحتها سنابل الحصاد ومزَّقت بعضًا من جلدها الرَّقيق سنابلُ القمح وقتَ الحصاد.تلك اليدُ التي حملت التّعب بصمت، هي يدٌ يحفظ خطوطها نذير عبيدات، ولن تغيب يوماً عن ذاكرته، فهي يد والده رحمه اللّه.هذا الاستحضار لم يكن صورة عابرة، بل استحضار أراده عبيدات ليؤكد أن الأوطان تُبنى أولًا في البيوت بتضحيات الآباء وصبر الأمهات، وأن الشهادة المعرفية لا تكتمل إلا بوجود قيم الرحمة والصدق التي تمنح الإنسان أثره الحقيقي.صحيح أن لكلِّ واحدٍ من الخرّيجين طريقًا خاصًّا لم يسلكه أحدٌ قبله ولن يسلكه أحدٌ بعده، ولكن "الطّرقات وإنْ تشابهت، غير أنّ الرحلات فيها لا تتكرّر أبدًا"، ولذلك يدعو عبيدات الخرّيجين إلى عدم الخوف من الأسئلة أو استعجال الإجابات، لأنّ الأسئلة هي التي تُبقي الإنسان حيًّا.ويضع عبيدات قاعدة أمام الخريجين ويذكرهم بأن الإنسان قد يمتلكُ العلم والذّكاء والنجاح، لكن إذا غابت الرّحمة أو الصدق أو الوفاء اختلَّت أنغام حياته، داعيًا الخرّيجين إلى أن يعزفوا موسيقاهم على منصّةٍ من المحبّة والتّكاتف والتّسامح والهدوء، وأن يدركوا أنّ "لا أحد يكتملُ وحده، ولا ينجحُ الإنسان إلّا مع الناس، وبالناس، وللناس".وينبه عبيدات إلى أنّ الشهادة تفتح بابًا، "أمّا الإنسان الذي يحملُها، فهو الذي يتركُ أثرًا فيما وراء ذلك الباب".نذير عبيدات، لم يكن في كلمته يريد الإنشاء والتباهي بما أنجزته الجامعة الأردنية، بل أراد أن يضع قواعد وأساسات أمام الخريجين حتى يحملوا معهم علمًا ينفع، وخُلقًا يرفع، وقلبًا يحبّ، وعقلًا يعقل، وألّا يبحثوا عن المكان الذي يمنحهم القيمة، بل يكونوا هم من يمنحُ المكانَ قيمَته.وإذ يُسدل الستار على احتفالات هذا العام، لا تنتهي حكاية هؤلاء الشباب مع مدرجاتهم، بل تبدأ صياغة فصل جديد في سجل أمة تدرك أن مستقبلها يُكتب بعقول أبنائها وسواعدهم.صورة يد الفلاح الأردني التي جرحتها السنابل.. ماذا قصد نذير عبيدات؟
مدار الساعة ـ










