أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

مسودة التصنيف التعليمي في الأردن: شهادة تميّز للغني ووصمة فقر للفقير


د. مصطفى التل

مسودة التصنيف التعليمي في الأردن: شهادة تميّز للغني ووصمة فقر للفقير

مدار الساعة ـ

في مشهد التعليم الأردني الذي يئن تحت وطأة الفجوات الاجتماعية والاقتصادية، تطل علينا مسودة (نظام تصنيف المؤسسات التعليمية الخاصة) لعام 2026 وكأنها حل سحري لمشكلة جودة التعليم.

الناظر بعمق إلى نصوص النظام ومعاييره يكتشف أنه ليس أكثر من أداة متقنة الصنع لتكريس التمييز الطبقي ومنح الشرعية الرسمية لتفوق المال على الجهد، ولتحويل الفقر إلى وصمة لا تُغتفر.

النظام في جوهره يعترف صراحة بأنه موجَّه للقطاع الخاص فقط وكأن المدارس الحكومية التي يرتادها ملايين الطلبة الأردنيين غير موجودة في المعادلة، أو أنها ليست أهلاً لأن تُصنف وتُقيَّم، وهذا وحده اعتراف ضمني بأن هناك تعليماً من الدرجة الأولى للذين يدفعون، وتعليماً من درجة أقل للذين لا يدفعون، بل الأكثر إيلاماً أن النظام يُلزم المدارس الخاصة بعرض شهادة تصنيفها في مكان بارز، وكأنه يمنح الغني وسام فخر، بينما يترك الفقير في صمتٍ مخجل لا شهادة له ولا تصنيف.

المشكلة الأعمق تكمن في المعايير الستة التي اعتمدها النظام: جودة التعليم، البيئة المدرسية، الموارد البشرية، الابتكار والريادة، القيادة والإدارة، والشراكة المجتمعية , هذه المعايير في ظاهرها تربوية لكنها في باطنها مرآة صافية تعكس قوة رأس المال.

فالبيئة المدرسية التي تعني مختبرات حديثة وصالات رياضية ومساحات خضراء وتقنيات تعليمية متطورة، هي نتاج مباشر لميزانيات ضخمة لا تملكها المدارس الحكومية ولا المدارس الخاصة الصغيرة.

الموارد البشرية التي تعني جذب أفضل المعلمين هي رهان على رواتب تنافسية لا تستطيع المؤسسات المحدودة الموارد توفيرها.

الابتكار والريادة التي قد تُترجم إلى برامج جاهزة يُستوردها الغني بينما يكتفي الفقير بجهوده الذاتية المتواضعة التي لا تُقيَّم ولا تُحتسب.

هذا يعني أن النظام رغم نواياه المعلنة سيؤدي حتماً إلى تحول التصنيف إلى خريطة للثروة وليس خريطة للجودة، فالغني سيحصل على فئة أولى لأنه يستطيع شراء مقومات التميز، والفقير سيظل في مراتب متأخرة أو خارج السباق أصلاً لأنه لا يستطيع، وكأن النظام يقول بصوت عالٍ : التعليم الجيد حكر على مَن يملك المال، والباقي عليهم أن يرضوا بما يُكتب لهم.

هذا المنطق لا يتوقف عند حدود المدرسة بل يمتد ليطال الطالب نفسه, فالطالب في المدرسة الحكومية سيُحرم من شهادة تصنيف تزين سيرته الذاتية وسيُقارن نفسه بمن هم في المدارس الخاصة التي تتزين بشهادات التميز الرسمية، وسيُحكم عليه مسبقاً بأنه نشأ في بيئة أقل جودة حتى لو كان هو نفسه طالباً متميزاً بجده واجتهاده، وكأن النظام يقول له : أنت لست أقل من غيرك لأنك لم تدرس جيداً بل لأنك لم تدفع بما يكفي.

الحقيقة أن الخبراء التربويين وعلى رأسهم وزير التربية الأسبق الدكتور فايز السعودي حذروا من هذا المصير وطالبوا بأن يكون النظام شاملاً للقطاعين العام والخاص معاً، وأن يركز على القيمة المضافة التي تحققها المدرسة لطلابها وليس على النتائج النهائية فقط، لأن مدرسة في منطقة فقيرة قد تستقبل طلاباً بمستوى متدنٍ وتضيف لهم قيمة هائلة تنقلهم إلى مستوى أفضل بكثير، وهذه القيمة المضافة هي مقياس العدالة الحقيقي، وليست البنايات الفخمة والمختبرات الزجاجية التي لا تصنع فارقاً حقيقياً في روح الطالب وعقله.

كما طالبوا بأن يكون التصنيف مقروناً بخطط دعم حقيقية للمدارس الأقل حظاً وليس مجرد عقوبات تصنيفية تخفض من قدرها وتطرد منها الطلاب والمعلمين.

فالتصنيف إذا لم يصاحبه دعم فإنه يصبح حكماً بالإعدام على المدارس الضعيفة، بدلاً من أن يكون خريطة طريق لإنقاذها وإصلاحها، وهذا ما يحوله من أداة إصلاحية إلى أداة تمييز قاتلة.

السؤال الذي يبقى عالقاً في وجدان كل أردني يهتم بمستقبل بلده: هل نريد نظاماً تعليمياً يُكرس التفاوت الطبقي ويمنحه الشرعية، أم نريد نظاماً يكون جسراً للعدالة وتكافؤ الفرص؟!

النظام الحالي كما هو معروض رغم أنه قد يبدو في ظاهره تقنياً وإدارياً فإنه في حقيقته يحمل رسالة واضحة لمن لا يملكون المال: هذا ليس مكانكم، وهذا التميز ليس لكم، ووصمة الفقر ستظل ملازمة لكم حتى في شهاداتكم التعليمية، وهذا هو أخطر ما يمكن أن تصل إليه سياسة تعليمية، أن تتحول من أداة لبناء الإنسان إلى أداة لترسيخ الطبقات.

مدار الساعة ـ