مونديال 2026 أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

كيف أصبحت 'جراسا' الأثرية مسرحاً مفتوحاً للفنون في الأردن؟

مدار الساعة,أخبار ثقافية,كورونا,جامعة اليرموك
مدار الساعة (بي بي سي عربي) ـ
حجم الخط

مدار الساعة - من حسام العسال - خلال التقدم نحو المسرح الجنوبي لحضور حفل فني في مهرجان جرش في الأردن، تبدو الخطوات وكأنها تعيد الشخص قروناً إلى الخلف في رحلة عبر الزمن إلى بواكير هذه المدينة.

هناك، يكسر صخب الحضور وإيقاعات الموسيقى صمت الحجارة الأثرية التي صمدت لتخبر الأجيال المعاصرة قصة الحضارة الرومانية التي ازدهرت في المكان.

ومنذ انطلاقته الأولى في ثمانينيات القرن الماضي، يدور المهرجان في مثلث متناغم: المكان، والإنسان، والفن، مما يدفع نحو التساؤل بشأن كيفية تحول المدينة الأثرية في جرش إلى موطنٍ لمسرح مفتوح للفنون ولعدة عقود.

مبادرة أكاديمية ثم مهرجان وطني

انطلق المهرجان للمرة الأولى عام 1980 بمبادرة من جامعة اليرموك الأردنية، ثم أصبح مهرجاناً رسمياً في المملكة.

وافتُتحت دورته الأولى عام 1981 ليقام صيف كل عام، بشكل شبه مستمر لتصل إلى دورتها الأربعين في هذه السنة، ولم يتوقف إلا خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان 1982 وحرب تموز 2006 وأزمة انتشار فيروس كورونا.

ويوفر المهرجان الذي يتخذ من المدينة الأثرية في جرش (48 كم شمال العاصمة عمان) موقعاً رئيسياً لفعاليات المهرجان الفنية والثقافية، منصة فنية لمجموعة واسعة من المطربين والموسيقيين والفرق الفلكلورية والقراءات الشعرية والأوركسترات السيمفونية ورقص الباليه والحرف اليدوية والعروض الفنية.

وتقام العروض في مختلف مسارح الموقع الأثري، ويتجول آلاف الزوار عبر الشوارع العتيقة لتأمل آثار المدينة، والتسوق لشراء المنتجات اليدوية، وحضور المعارض الفنية والفعاليات الفنية.

"فضاء للفنون في التاريخ المعاصر"

وتُظهر مدينة جرش الأثرية دلالات حياة للبشر تعود لما يزيد عن 6500 عام، وهي واحدة من مدن الرومان العشر المعروفة باسم "الديكابولس".

وكانت تعرف آنذاك باسم "جراسا" أو "جراسيا".

تصف مديرة سياحة جرش السابقة، مشاعل الخصاونة، تجربة الزائر لمهرجان جرش بأنها "تجربة ثقافية متكاملة"، فيعيش الزائر التاريخ من خلال الموسيقى والمسرح والفنون الشعبية.

تعتقد الخصاونة أن استضافة العروض الفنية في مسرح روماني أثري يحمل رسالة ثقافية عميقة، مفادها أن التراث ليس ماضياً جامداً، مما يجسد استمرارية الحياة الثقافية على أرض الأردن.

"أصبحت مسارح جرش الأثرية فضاءً للفنون في التاريخ المعاصر لأنها لم تُحفظ باعتبارها آثاراً صامتة، بل أُعيد إحياؤها لتؤدي وظيفة ثقافية جديدة"، تقول المسؤولة السياحية السابقة.

وتربط الخصاونة بين وظيفة المسارح السابقة ودورها الحالي، قائلةً إن المسارح شُيّدت في جرش قبل نحو ألفي عام لتكون مراكز للعروض المسرحية والموسيقية والخطابية، واليوم تستعيد هذه المسارح دورها فتحتضن الحفلات الموسيقية والفعاليات الثقافية

ووصفت هذه الاستمرارية بـ"جسر بين الماضي والحاضر".

تضم المدينة الأثرية معالم عدة تحتضن فعاليات وأحداث المهرجان منها المسرح الجنوبي الذي بُني أواخر القرن الأول الميلادي، والمسرح الشمالي، وشارع الأعمدة وهو الشارع الرئيسي في مدينة جرش الرومانية وطوله 800 متر، ويضم نحو ألف عمود، ومسرح أرتيمس، ومسرح الصوت والضوء، والساحة الرئيسية، ومسرح "الهيبودروم".

"هندسة صوتية مذهلة"

تتميز المسارح الرومانية الأثرية، ومنها مسرحا جرش الشمالي والجنوبي، بخصائص هندسية ومعمارية جعلتها صالحة للعروض الفنية منذ بنائها قبل نحو ألفي عام.

تقول الخصاونة إن المسرحين صُمما وفق أسس هندسية صوتية مذهلة ودقيقة تسمح بانتقال الصوت بوضوح من خشبة المسرح إلى أعلى المدرجات دون الحاجة إلى مكبرات صوت في العصور القديمة، والجمهور المعاصر لا يزال يلاحظ جودة انتشار الصوت.

شُيد المسرح الجنوبي بين عاميّ 90 و92 ميلادي، ويتّسع لأكثر من 3 آلاف متفرّج، ويعد المسرح الرئيسي والأهم في مهرجان جرش.

تُمكّن الخصائص الصوتية للمسرح الموجود في وسط أرضية الأوركسترا من إيصال صوته للمدرج كاملاً دون أن يضطر إلى رفع صوته.

أما المسرح الشمالي، شُيد في عام 165 ميلادي، وتضمن المسرح في بداية الأمر 14 صفاً من المقاعد واستخدِمَ للفنون الأدائية، وفي عام 235 ميلادي، حدثت توسعة ليستوعب المسرح 1600 شخص.

وتوضح الخصاونة أن التصميم نصف الدائري يضمن رؤية واضحة للمسرح من معظم المقاعد، ويخلق شعوراً بالقرب بين الفنان والجمهور، كما أن إنشاء المسارح على منحدرات طبيعية يوفر ثباتاً إنشائياً ويساعد في تحسين الرؤية والصوت.

"بعد بصري استثنائي"

وهنا تشير الخصاونة إلى أن الأداء الفني بين الأعمدة الحجرية والمدرجات الرومانية يمنح العرض بعداً بصرياً استثنائياً، ليصبح المزيج جزءاً من المشهد الفني، فيتفاعل الفن المعاصر مع العمارة التاريخية.

فادي العطيان الذي يزور المهرجان للمرة الخامسة، يقول لبي بي سي وهو يقف متأملاً في الساحة البيضاوية، إن تنظيم المهرجان في هذا الموقع الأثري أضفى عليه روحاً مختلفة، ويبرز كيفية صمود هذا المكان طوال هذه السنوات.

يصف العطيان المدينة الأثرية بـ"العظيمة"، ويعبر عن حيرته من كيفية بناء مرافق المكان الأثري بهذه التقنيات الملائمة للحفلات والتجمعات.

ناديا المومني التي اعتادت القدوم سنوياً لمهرجان جرش، نظراً لمحبتها للموقع الأثري حتى أنها تزوره في فصل الشتاء، تقول لبي بي سي إنها تفضل القدوم لحفلات المهرجان لأن الأماكن مفتوحة تلائمها أكثر، وتشير إلى أن المهرجان عرفها إلى معلومات جديدة عن تاريخ المهرجان.

وبينما يتجول الزوار عبر شارع الأعمدة التي لا تزال قائمة منذ قرون برغم انهيار الحضارة التي شيدتها، قد يلفت انتباههم أيضاً تحرك دودة "عصا موسى" عبر شقوق الأرض بكثافة، مما دعا المنظمين لنشر تطمينات بشأن عدم تشكيل هذه الدودة أي خطر، ووصفتها بـ"الخجولة".

ولم تعد فعاليات المهرجان تركز على المسرحين الرومانيين بشكل أساسي بعد إضافة مسرح جديد خلال النسخة الحالية يسمى "الهيبودروم" الذي زارته بي بي سي.

الهيبودروم: هو مضمار أثري روماني قديم مخصص لسباقات الخيل والعربات في جرش.

في "الهيبودروم"، يتجمع الجمهور لحضور عروض فنية في مضمار لسباقات الخيل والعربات شُيد في منتصف القرن الثاني والقرن الثالث الميلاديين، فيما تتجول خيالة الأمن الأردني لتوفير ظروف آمنة في ميدان الخيل التاريخي.

ويجلس الحضور على كراسٍ موزعة على أرضية من الرمل والقش أمام منصة يحدها من الخلف 11 قوساً حجرياً أثرياً تقدم فيها فرقة يونانية عروضها، وكأن أحفاد الإغريق يرقصون بين أحجار تعود لحضارة غابرة بناها الرومان.

جرش ليست الوحيدة

لا يعد الفضاء الأثري لمهرجان جرش مقتصراً عليه فقط، فهناك مهرجانات وفعاليات أخرى تقدم ذلك المزيج الثقافي الفني والأثري التاريخي.

في تونس، مهرجان قرطاج الذي يقام على مسرح قرطاج الروماني الذي تصل سعته إلى عشرة آلاف متفرج.

وفي لبنان، يقام مهرجان بعلبك في معبد باخوس الروماني، وفي جارتها سوريا مهرجان بصرى كان يُعقد على المدرج الروماني الذي يعود إلى القرن الثاني الميلادي في بلدة بصرى الشام.

وفي الجزائر، هناك مهرجان تيمقاد الذي كان يقام على مسرح تيمقاد وهو مسرح روماني بولاية باتنة شرقي البلاد.

وفي أوروبا، يبرز مهرجان "كوريجي دو أورانج" العريق الذي يُقام على مسرح أورانج الروماني.

لكن الفنون لا تُعرض على مسارح الرومان، فللإغريق نصيب أيضاً.

في اليونان يبرز مهرجان أثينا إبيداوروس الذي يُقام في أماكن أثرية إغريقية ومسرح يعود للقرن الرابع قبل الميلاد.

وبينما يغادر آلاف الزوار المدينة الأثرية بعد انتهاء الفعاليات الفنية، تبقى المدرجات والأعمدة صامدة كما كانت منذ قرون، لكنها لم تعد مجرد شواهد على حضارة غابرة، بل فضاءً يحتضن الفنانين والجمهور كل صيف، ويصل الماضي بالحاضر عبر الفنون.


مدار الساعة (بي بي سي عربي) ـ