مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس وظائف للأردنيين مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

التل يكتب: الإفتاء بين الرسالة والوظيفة.. قراءة نقدية في شروط مسابقة تعيين المفتين في الأردن


د. مصطفى التل

التل يكتب: الإفتاء بين الرسالة والوظيفة.. قراءة نقدية في شروط مسابقة تعيين المفتين في الأردن

مدار الساعة ـ

أعلنت دائرة الإفتاء العام في الأردن، في 23 يونيو 2026، عن مسابقة لتعيين مفتين جدد لوظيفتي "مفتي رئيسي" و"مفتي".

الإعلان الذي يبدو للوهلة الأولى إجراءً إدارياً روتينياً، يكشف عند التدقيق عن تحول جوهري في مفهوم الإفتاء ذاته : من رسالة علمية قائمة على الاجتهاد والورع، إلى وظيفة حكومية تخضع لشروط إدارية وعمرية ومذهبية .

الإفتاء في شريعتنا هو بيان الحكم الشرعي عند السؤال عنه، وهو منصب عظيم لأن المفتي يوقّع عن الله تعالى في حكمه, فشروط المفتي كما قررها الفقهاء قديماً وحديثاً هي: العلم بكتاب الله وسنة رسوله، والمعرفة بأصول الفقه ومقاصد الشريعة، والقدرة على استنباط الأحكام، والمعرفة بأحوال الناس وأعرافهم، والرجوع إلى أهل الخبرة في التخصصات المختلفة.

هذه الشروط كلها علمية وفقهية لا علاقة لها بعمر المتقدم، ولا بوظيفته السابقة، ولا بمذهبه الفقهي, لكن شروط المسابقة تأتي لترسم صورة مغايرة تماماً وتطرح سؤالاً كبيراً: هل نريد مفتياً أم موظفاً دينياً؟!

يشترط الإعلان خبرة عملية لا تقل عن خمس عشرة سنة لوظيفة مفتي رئيسي، وعشر سنوات لوظيفة مفتي, هذا الشرط يثير إشكاليات عدة:

فهو يفرض عمراً معيناً على المفتي، بينما الإفتاء في جوهره لا يشترط عمراً محدداً ما دام الشخص مؤهلاً للإفتاء، فقد أفتى الصحابة وهم في سن مبكرة، كابن عباس رضي الله عنهما الذي بدأ يفتي في نحو الخامسة عشرة من عمره، والعلماء قديماً وحديثاً أجمعوا على أن شرط المفتي هو العلم والورع والقدرة على الاستنباط، لا السن.

كما أن الإمامة والتدريس ليستا هما الإفتاء، فلكل منهما مهاراته ومتطلباته، وقد يكون الشخص إماماً ممتازاً لكنه ليس مفتياً قديراً، والعكس صحيح، فالإفتاء يحتاج إلى قدرة على استنباط الأحكام من الأدلة وتنزيلها على الوقائع، وهي مهارة تختلف عن مهارة الخطابة أو التدريس.

فضلاً عن ذلك فإن هذا الشرط يحرم الشباب الشرعي المتميز من خريجي كليات الشريعة من حقهم في المنافسة، ويحصر الوظيفة في فئة عمرية محددة فوق الأربعين، وهو بذلك يضيق قاعدة المفتين المحتملين، ويُفقر الساحة العلمية من دماء جديدة قد تحمل اجتهادات مبتكرة.

الأغرب من ذلك أن الامتحان التحريري في هذه المسابقة يقتصر على مواد في مستوى البكالوريوس كعمدة السالك والآجرومية وشرح جوهرة التوحيد، فإذا كان الامتحان في مستوى البكالوريوس، فلماذا تشترط المسابقة خبرة خمس عشرة سنة؟! هذا التناقض يؤكد أن شرط الخبرة ليس علمياً بل هو شرط عمري وإداري بحت.

أما الإشكال الأكبر فيتمثل في حصر الامتحان في مذهب واحد، إذ يقتصر الامتحان التحريري على الفقه الشافعي من خلال كتابي عمدة السالك وعدة الناسك لابن النقيب المصري، وفتح العلام بشرح الإعلام بأحاديث الأحكام لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري، والعقيدة من خلال كتاب شرح جوهرة التوحيد لسماحة الشيخ نوح القضاة، وقانون الأحوال الشخصية الأردني.

وهنا تبرز مشكلة جوهرية، فالأردن بلد متعدد المذاهب، فهناك أردنيون على المذهب الحنفي، وهناك على المذهب الحنبلي، وهناك على المذهب المالكي، والمذهب الشافعي، وهذا التنوع هو ثراء وليس عيباً، فالمذهب الواحد لا يستوعب تنوع الوقائع والأعراف.

والأكثر من ذلك أن الجامعات الأردنية تخرّج طلاباً متخصصين في المذاهب الأربعة، وهذه التخصصات معترف بها رسمياً من وزارة التعليم العالي، فكيف يتم استبعاد خريجي هذه التخصصات من المسابقة؟!

والمذهل أن المذهب الشافعي ليس المذهب الرسمي للدولة الأردنية، فالدولة لا تعلن تبنياً لمذهب واحد، بل تترك للمواطنين حرية اتباع مذاهبهم، فلماذا تفرض المذهب الشافعي على المفتين فقط؟!

هذا الشرط يمثل إقصاءً مذهبياً فاضحاً، ويتناقض مع سياسة الدولة في الاعتراف بتعدد المذاهب، إنه يكرس فكرة مذهب الدولة الضمني، ويحرم خريجي الجامعات الذين درسوا المذاهب الأخرى من حقهم في التقدم للوظيفة، لمجرد اختلاف مذهبي لا ذنب لهم فيه، وهذا ليس فقط إجحافاً، بل هو تضييق لقاعدة المفتين وإفقار للساحة الفقهية، فالتنوع المذهبي كان دائماً مصدر ثراء للفقه الإسلامي، وقد شهد تاريخ الأردن تعايشاً مذهبياً غنياً على مر العصور.

.

وتأتي المقابلة الشخصية لتضيف مزيداً من الإشكاليات، إذ تشترط معايير منها المظهر العام والهندام، وقوة الشخصية ومنهجية التعامل، والاطلاع على فتاوى الدائرة، والالتزام والقبول بشروط العمل.

هذه المعايير، باستثناء تلاوة القرآن، لا تقيس الكفاءة العلمية للإفتاء، فالمظهر الهندامي وقوة الشخصية لا تعني بالضرورة فهماً عميقاً للفقه وأصوله، وقد يكون الشخص متواضع المظهر لكنه عالم ورع مجتهد، وقد يكون أنيق المظهر لكنه ضعيف العلم.

فهل المطلوب من المفتي أن يكرر فتاوى الدائرة لا أن يجتهد ويستنبط؟! , هذا يتناقض مع جوهر الإفتاء الذي يقوم على الاجتهاد والاستنباط، لا على التلقين والتقليد.

أما الالتزام والقبول بشروط العمل فهو نص فضفاض يمكن تفسيره بأي شكل، ويمكن استخدامه لاستبعاد أي شخص قد يبدي أي تحفظ على أي شرط، وهذا يكرس ثقافة الخضوع والامتثال، لا ثقافة العلم والاجتهاد, هذه الشروط هي عقد بين الجانبين ان خالف احدهما العقد فانه يخضع لما يترتب على المخالفة , ولكن ليست شرطا جوهريا في أهلية المفتي للإفتاء .

وهكذا تكرس المقابلة الشخصية في هذه المسابقة نموذج المفتي البيروقراطي، الذي يهم مظهره أكثر من علمه وفقهه، إنها تبحث عن وجه وسيم وشخصية قوية، وليس عن عالم ورع مجتهد.

.

والأخطر من ذلك كله، والأكثر دلالة على إقصاء فقه العصر، تغييب أي مرجع يعالج الفقه المعاصر أو النوازل المستجدة.

فالمراجع المعتمدة في الامتحان تقف جميعها عند حدود القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي)، كـ"عمدة السالك" و"فتح العلام" و"الإكليل" و"شرح جوهرة التوحيد"، باستثناء قانون الأحوال الشخصية الأردني، فلا يوجد فيها أي كتاب أو مرجع يعالج قضايا العصر كالاقتصاد الإسلامي، والأسواق المالية، والشركات، والعملات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والطب الشرعي، والتأمين، أو أي من النوازل التي يعيشها الناس اليوم.

وهذا التغييب يحصر الإفتاء في فقه العبادات والمعاملات التقليدية، ويتجاهل "فقه النوازل" و"فقه الواقع" الذي هو جوهر الإفتاء المعاصر، ويرسم صورة المفتي كناقل ، لا كمجتهد مجدد، قادر على مواكبة العصر والإجابة عن أسئلة الناس المستجدة.

فكيف لمن يتقن كتب الفقه القديم أن يفتي في قضايا معاصرة لم يتناولها مؤلفو هذه الكتب، لأنه ببساطة لم يكن لها وجود في زمنهم؟!

.

وهنا دعونا نعد إلى جوهر الإفتاء في الإسلام كما حددته المصادر المعتبرة، فهو يقوم على العلم والورع والقدرة على الاجتهاد وفهم الواقع والناس، وهو لا يشترط عمراً، ولا وظيفة سابقة، ولا مذهباً فقهياً محدداً، وهو رسالة دينية، وليس وظيفة حكومية، هو منصب ديني، وليس منصباً إدارياً.

إن شروط هذه المسابقة تحول الإفتاء إلى وظيفة حكومية بحتة، تحدد بعمر يفوق الأربعين، وتشترط وظيفة سابقة وتفرض مذهباً واحداً، وتجعل المظهر وقوة الشخصية معياراً يسبق العلم والورع، وتغيّب فقه النوازل المعاصرة تماماً.

وما يزيد الطين بلة أن الدولة الأردنية من خلال وزارة التعليم العالي والجامعات، تعترف بتعدد المذاهب وتخرّج طلاباً متخصصين في المذاهب الأربعة، لكن دائرة الإفتاء تستبعد خريجي هذه التخصصات لمجرد اختلاف مذهبهم، وهذا تناقض مؤسسي فاضح، فإذا كانت الجامعة تخرّج طالباً في الفقه الحنفي وتمنحه شهادة معترفاً بها رسمياً، ثم تقول له دائرة الإفتاء إنه غير مؤهل لأنه درس المذهب الحنفي وليس الشافعي، فأي مصداقية تبقى للشهادة الجامعية إذا كانت المؤسسات الرسمية لا تعترف بها عملياً؟! وأي عدالة في مسابقة تستبعد أكفاء لمجرد اختلاف مذهبي؟.

هذه المسابقة بشروطها الحالية تطرح سؤالاً كبيراً: ماذا نريد من "منصب" المفتي؟!

يبدو أن دائرة الإفتاء تريد رجلاً فوق الأربعين، خبرته طويلة في المؤسسات الرسمية، يحفظ المذهب الشافعي، ويتقن العقيدة تلقيناً، مظهره هندامي، وشخصيته قوية، ويتلو القرآن بصوت حسن، مطلع على فتاوى الدائرة، ومستعد لقبول شروط العمل دون نقاش، وقادر على تكرار ما قيل قبل ستة قرون حسب مراجع المسابقة المعلنة ، لكنه عاجز عن الإفتاء في قضايا العصر المستجدة..!!!

بينما الإفتاء في شريعتنا الغراء هو رسالة علمية تحتاج إلى علم غزير، وورع وتقوى، وقدرة على الاجتهاد، وفهم عميق للواقع والناس، وإلمام بقضايا العصر ونوازله، وشجاعة في قول الحق ولو خالف دون خوف ولا وجل، وهذا لا يتحقق بشروط عمرية أو وظيفية أو مذهبية، بل يتحقق بصدق الطالب وجده وتفرغه وإخلاصه لله ثم للعلم.

.

شروط المسابقة الحالية تنحصر في اختيار موظفين دينيين يحملون صفة الإفتاء، لكنهم يخضعون لمنطق الوظيفة العامة، وليس لمنطق الرسالة العلمية، وهي للأسف تكرس نموذجاً من الإفتاء البيروقراطي، وتقصي خريجي المذاهب الأخرى، وتحرم الشباب من حقهم في المنافسة، وتغيّب فقه النوازل المعاصرة، وتجعل من المظهر معياراً يسبق العلم والفقه.

إن أردنا نهضة علمية حقيقية، فعلينا أن نحرر الإفتاء من قيود الوظيفة، وأن نعيده إلى جوهره : علم وورع واجتهاد وفقه للواقع، لا عمر ولا وظيفة ولا مذهب محدد، فالنهضة الحقيقية تبدأ عندما نثق بعقول علمائنا، ونمنحهم حرية الاجتهاد، ونختارهم بناءً على علمهم لا على مظهرهم أو أعمارهم، ونعترف بتنوع مذاهبهم ولا ننكره، ونزودهم بفقه النوازل ليواجهوا تحديات العصر.

أعظم المفتين في تاريخ الإسلام كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وقبلهم النخعي وابن أبي ليلى وبعدهم النووي وابن تيمية وابن قيم الجوزية كانوا علماء أحراراً، لم ينتظروا مسابقة محكومة بمراجع محددة وبسقوف علمية محكومة مسبقا ليفتوا، كانوا يتخرّجون على أيدي مجتهدين وتحت نظرهم حتى يتمكنوا من الفتوى بما يرونه حقاً ولو خالفوا، وكانوا تحت إدارة دولة وسلطان وحكومة ومفتي أكبر وقاضي قضاة ..

وهذا هو الفرق بين العالم والموظف، وبين الرسالة والوظيفة

مدار الساعة ـ