أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الاستقلال الأردني: واجب متجدد.. ومسؤولية مستمرة في البناء والعطاء


د. مصطفى التل

الاستقلال الأردني: واجب متجدد.. ومسؤولية مستمرة في البناء والعطاء

مدار الساعة ـ

عيد الاستقلال الأردني نقف فيه أمام مرآة التاريخ والمسؤولية معًا, إنها ليست مجرد ذكرى نرفع فيها الأعياد أو نتبادل فيها التهاني، بل هي محطة محاسبة ومراجعة لمسيرة وطن لم يتوقف يومًا عن كتابة أروع قصائد التضحية والصمود.

يوم الاستقلال في الأردن يمثل امتدادًا لنضال طويل ليس ضد الاحتلال فقط، بل ضد كل أشكال التخلف والتبعية.

الأردن لم يستقل ليستريح بل استقل لينطلق، ولم يتحرر ليغفو بل تحرر ليكون نموذجًا في المنطقة لوطن يعرف كيف يحول نار المعارك إلى نورو بناء، وكيف يحول دماء الشهداء إلى طاقة عمل وإبداع.

بينما اهتزت المنطقة على وقع انهيار مشاريع القومية العربية مع تحول الحلم الجامع إلى أوهام وإحباطات، ظل الأردن صامدًا كجبال عجلون والشراه , حاملًا راية العروبة والإسلام بثبات الرجال الذين أقسموا ألا تسقط الراية ما دام في الأردن عرق ينبض.

القومية العربية في الأردن لم تكن شعارات بل كانت ممارسة يومية في السياسة والجيش والمؤسسة والعمل الخيري, الأردن حمل على عاتقه هموم أمته، فكان السند لفلسطين، والعون للعراق، واحتضان الأشقاء في أحلك الظروف، دون أن ينتظر شكرًا أو جزاء, وهذا ما جعل الاستقلال الأردني حالة فريدة : استقلال لا ينغلق على نفسه بل ينفتح على أمته في أرقى معاني العروبة.

لطالما اعتقدنا أن الاستقلال هو أن نحكم قرارنا بأنفسنا لكن الحقيقة الأعمق تقول: الاستقلال الحقيقي هو أن يشعر المواطن الأردني أنه يعيش بكرامة في وطنه.

الكرامة لا تكتمل دون لقمة عيش ودون فرصة عمل، ودون سقف يأويه ومستقبل يليق به, لذا فإن معركة التنمية اليوم هي امتداد طبيعي لمعركة التحرير بالأمس.

فبعد أن انتزع الأردنيون سيادتهم بالأسلحة والتضحيات، ها هم اليوم مدعوون إلى معركة جديدة : معركة البناء، الإنتاج، الابتكار، ومحاربة الفقر والبطالة.

الاستقلال بلا اقتصاد قوي أشبه بجسد بلا روح , وهنا تبرز مسؤولية الحكومة والأفراد معًا , الحكومة مطالبة بتهيئة البيئة الداعمة للاستثمار والعمل والإبداع والإنتاج ، والأفراد مطالَبون بدعم دولة الإنتاج , أبناء الأردن الذين حطموا جدران الخوف في المعارك قادرون اليوم على تحطيم جدران البيروقراطية واليأس.

لا يمكن تصور استقلال ناجح دون مؤسسات قوية وعادلة والأردن استطاع على مدى عقود أن يبني دولة مؤسسات , بينما الفساد هو عدو الاستقلال الأول لأنه يجعل القرار الوطني خاضعًا لمصالح خاصة لا لمصلحة الوطن.

إن الاستقلال الذي لا يحصّن الاقتصاد الوطني من الهزات الخارجية، ويحمي العملة، ويوفر الأمن الوظيفي، هو استقلال ناقص, لذلك يجب أن تتجه كل السياسات نحو تعزيز السيادة الاقتصادية، والانفتاح الذكي على العالم، والاستثمار في الإنسان الأردني الذي أثبت أنه أغلى مورد نملكه.

الاستقلال الحقيقي يتحقق حين يشعر المواطن أن صوته مسموع، وأن مشاركته مؤثرة، وأن رأيه محترم.

من واجب كل أردني أن يكون جنديًا في معركة البناء بالالتزام و بالعمل ، بدفع عجلة الإنتاج، بالابتكار، وحتى بالنقد البناء الذي يصحح المسار دون أن يهدم.

إن الاستقلال مسؤولية متجددة وعهد مفتوح مع الأجيال , وكل جيل مدعو لكتابة فصل جديد من قصة هذا الوطن العظيمة, فمن صنع الاستقلال بالأمس هم آباؤنا ومَن يحافظ عليه ويزدهي به اليوم هم شبابنا.

في عيد استقلالنا لا نريد احتفالات شكلية تذبل مع انتهاء اليوم بل نريد وقفة جادة مع الذات نسأل فيها: ماذا قدمنا لوطننا؟! كم أسرة اردنية تم انتشالها من أنياب الفقر ؟! كم من شاب أو شابة أوصلناهم إلى وظيفة تحفظ كرامتهم؟!

نريد استقلالًا يشعر معه كل أردني أنه حر في وطنه ليس فقط من الاحتلال، بل من الجوع ومن الخوف ومن التهميش.

لقد استحق أجدادنا الاستقلال بدمائهم ونحن نستحق أن نرثه بجهدنا وتفانينا.

الاستقلال ليس ماضياً نفتخر به فقط بل مستقبل نصنعه بأيدينا اليوم.

كل عام والأردن بألف خير، عزاً وتمكيناً، وكل عام وشعب الوفاء في قمم المجد والبناء.

مدار الساعة ـ