أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الحاجة إلى حوار عربي – عربي


د.محمد يونس العبادي
كاتب وأكاديمي أردني

الحاجة إلى حوار عربي – عربي

د.محمد يونس العبادي
د.محمد يونس العبادي
كاتب وأكاديمي أردني
مدار الساعة (الرأي الأردنية) ـ

لا يختلف اثنان على أن العلم والمعرفة هما الطريق الأول والأبجد للحضارة، التي لم تعد اليوم حكرًا على أمة أو مجتمع دون غيره. في عالم مفتوح بالمعرفة، أصبح من المستحيل احتكار أي فكرة أو نموذج حضاري، وقد فقدت خصوصية كثير من المجتمعات، وباتت نوافذها مشرعة على العالم.

لكن، في ظل هذا الانفتاح، يبدو أننا انكمشنا، وباتت الأمم العربية أصغر من أن تعيش بصفتها فاعلة في معادلة الحضارة الحديثة.

فالمنعطف التاريخي العربي لم يتوقف منذ أكثر من مئة عام، وكأن القدر شاء أن يعيش العرب أطول مرحلة انعطاف في تاريخهم الحضاري. وما عاشه الجيل الرابع بعد المئوية الأولى وما بعدها، من نكبات في دمشق وبغداد وليبيا واليمن، هو شاهد على أن العرب تجاوزوا قاع حفرة لا قعر فيها، وأن التحديات مستمرة بلا هوادة.

في هذا الواقع المختل، الذي غاب فيه المفكرون أو تفرقوا في البحث عن أسباب الانحدار، يفرض علينا أن نسائل أنفسنا عن سبل النهوض، بهدوء وروية، بعيدًا عن جدل العقائد أو فرضيات المؤامرة التي اعتاد جيلنا على التمسك بها. الواقع العربي اليوم حافة نحيا عليها: لا نحن في تقدم حقيقي، ولا نحن في انهيار مطلق، بل هناك ركود يشهده معظم الحواضر العربية.

لقد استغرقنا كثيرًا في جدل حول الماضي، واستسلم جزء من نخبنا لمفهوم الانحباس الفكري، أو للخوف من المضي خطوة إلى الأمام. فهل تكمن العقدة الحضارية في العقل العربي كما يرى بعض المفكرين المحدثين؟ أم أن هذه العقدة ترجع إلى زمن الأندلس العربية، حيث تمكن ابن رشد وأفكاره من اختراق التابوهات المحظورة؟ أم أنها أعمق من ذلك، منذ أن أصبح التقليد والفكر المحافظ يفرضان قاعدة تقول: "من تفلسف تزندق"؟

وأمام هذا المشهد، الذي شهد صعود تيارات إرهابية تدّعي الانتماء للتراث، يبدو الانكفاء العربي أكثر وضوحًا، ويطرح سؤالًا محوريًا: كيف ننهض أمام حالة النكوص هذه؟

أتذكر في ثمانينيات القرن الماضي، ندوة علمية حملت عنوان "تهيئة الإنسان العربي للعطاء العلمي". كان العنوان يلخص بداية الطريق نحو بناء الإنسان والمجتمع العربي، وكان يتطلب نقاشًا فلسفيًا وأكاديميًا، وهو طرح لا يزال ممكنًا للبداية. فلا يمكن الدخول إلى المستقبل ونحن غارقون في مصطلحات النكوص، أو بلا فهم واضح لأسباب التأخر وشح مفردات الحضارة.

اليوم، ونحن ننشد الحضارة، علينا إعادة الاعتبار للعقل العربي. ويجب أن ندرك أن الحوار المطلوب في هذه المرحلة ليس بين العرب والغرب أو الشرق، بل حوار عربي – عربي، يبدأ في المسارات الأكاديمية والثقافية، ويضع أسس النقاش البنّاء. هذه المناخات هي البداية، وبها فقط يمكن أن نعيد للعرب موقعهم في الحضارة الحديثة.

مدار الساعة (الرأي الأردنية) ـ