الأردن دولة قامت على توازن دقيق بين الاستقرار والشرعية ، والحفاظ على هذا التوازن لا يتم بالشعارات ، بل بقراءة واعية للمزاج العام ، والاستجابة الجادة لمطالبه ، أما تجاهل الرسائل اليومية الصادرة عن الشارع فهو رهان خاسر ، وكلفته دائماً أعلى مما تتوقعه الحكومات ....
المطلوب من الحكومة اليوم ليس احتواء الصوت ، بل فهمه ، فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ بإنكار المشكلة أو تجميلها ، بل بالاعتراف بها ومعالجتها من جذورها ،، فالاحتجاج الشعبي على سياسات غير منتجة ومبنية على وعود براقة هو ليس تهديداً للدولة ، بل هو إنذار مبكر للحكومة ، وتجاهل هذا الإنذار لا يعكس قوة ، بل يكشف خللاً في التقدير ....الحكومات التي تتعامل مع أصوات الناس على أنها ضجيج عابر ، ستكتشف متأخرة أن هذا الضجيج قد يتحول إلى غضب منظم يصعب احتواؤه ، لأن الضغوط الاقتصادية تتراكم ، والقدرة الشرائية تتآكل ، والشارع لم يعد يبحث عن خطاب ، بل عن نتائج ملموسة ،، وأي محاولة لمعالجة هذا الواقع عبر التسويف أو تكرار الخطاب ذاته لن تنتج إلا مزيداً من الاحتقان ....الاحتجاج السلمي بكل رسائله يعكس وجود خلل حقيقي ، إما في السياسات أو في طريقة إدارتها ، لذلك لا تركنوا إلى استطلاعات رأي مضللة ، ولا تعتقدوا أن الزيارات الميدانية كفيلة بتغطية الواقع ، أو أن إجراء تعديل وزاري سينتج أثر إيجابي ، لأن ما يتشكل اليوم هو فقدان ثقة ، وفقدان الثقة أخطر ما يمكن أن تواجهه أي حكومة ، ولا يجوز الاستهانة به ...والله المستعان.