أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

سرديات شفوية مشحونة


د.محمد يونس العبادي
كاتب وأكاديمي أردني

سرديات شفوية مشحونة

د.محمد يونس العبادي
د.محمد يونس العبادي
كاتب وأكاديمي أردني
مدار الساعة (الرأي الأردنية) ـ

صحيح أن بعضا من تاريخنا الأردني لم يكتب، وأن بعض تاريخنا الاجتماعي المكتوب، شابه كثير من اللغط، وكثيرين حاولوا تشويه مفهوم القبيلة في الأردن وسحبه لجهة أنها قائمة على الغزو والنهب وأسباب أخرى.

ولكن الأصح أن قبائلنا الأردنية، لم تكن تحمل في مضامينها وأطرها وعاداتها وتقاليدها، سوى خلاصة من الألفة والمودة والبحث عن الرزق، فالشخصية الأردنية كونها تمتلك ذاكرة بدوية عفوية في سلوكها، تلقائية في مفرداتها وقيمها تستل من منظومة اختلطت بها شيم العرب وبداوتهم، وحتى في صراعاتها القديمة لم تكن تسعى القبائل إلى الحرب أو الغزو كغاية وحدها.

فما زال بعض الأردنيين يستحضرون تاريخهم الشفوي بشكلٍ مشحون بالصراعات والتناقضات المليئة بمفاهيم البغضاء؛ وهذا في جانب منه متخيل وغير واقعي، قياسا بمفاهيم كثيرة.

فسير الغزوات ما زالت دارجة في عقول كثير من أبنائنا، وبالأخص ممن يجدون القبيلة مساحة لإشباع رغبتهم بالبحث عن غريزة القوة، التي غالبا ما توفر لها القبيلة الغطاء، بالرغم من مغالطات كثيرة، ولا تصمد هذه المرويات أمام النقد التاريخيّ.

وما نعانيه من ظواهر سلبية يريد البعض اسقاطها على القبيلة هي نتيجة لتنشئة خاطئة، واسترداد متخيل لسيَر وتاريخ في أغلب جوانبه لم يحدث!.

بل إن الأصح هو أن غياب السلطة القائمة آنذاك؛ هو الذي صار بصيرورة الأحداث، لتكون العناوين هي الغزوات على حساب كثير من التاريخ المليء بالمُثل والقيم الجميلة، التي تعد بحق خلاصة لأخلاق العرب.

ما يجري حالياً من أحداث أو أمور ترشح، هو نتيجة لسرديات شفوية يرويها كثيرون في بيوتهم للأبناء، فيعززون في نفوسهم مفاهيم خاطئة قائمة على أن طريق الحق يؤخذ بقوة القبيلة، ونتيجة لهذه المرويات الشفوية المتوارثة، وصل بنا الحال إلى أن نحمل عبئاً من التاريخ الشفوي المشحون.

وهذا الأمر غيّر من شكل القبيلة التي كانت، وأخذها إلى شكل متخيل قائم على فرضية أن الإحساس بالذات ينبع من القبيلة كقوة لها حصصها ولها امتيازاتها التي تعلو على أي قانون.

لذا فاليوم، نحن بحاجة لأن نقرأ في تاريخنا الشفوي الذي صمت عنه الأكاديمي وتجاوزه المشتغل بالتاريخ، حتى أوصلنا إلى متخيل في ذهنية النشء، أن هناك قبيلة وحرباً وغزواً وماضياً مجيد! وساعدت الأحداث ومشهد الحروب التي تحيط بالأردن إلى زيادة الضغوطات السياسية والاقتصادية على الرغم من المبذول في مواجهة ارتدادات هذه التداعيات.

هذا الأمر دفع بالبعض إلى إعلاء شأن الماضي المتخيل على الماضي الحقيقي، وأوجد طريقاً لدى البعض ليعلي من شأن هذا الماضي على حساب الحاضر والقانون.

فاليوم نحن أحوج ما نكون لفلترة ماضينا الشفوي، ذلك الماضي الذي نرويه للأبناء وهم أطفال فيشبون يرون في الآخر عدواً لأجدادهم.. ويريدون السير بهذا التناقض؛ فشيم الشجاعة والوفاء، هي ما صاغت هذا الوطن بكرمه، وحضوره الشامخ اليوم.

مدار الساعة (الرأي الأردنية) ـ