أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات مغاربيات دين بنوك وشركات خليجيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

التل يكتب: الأردن وسوريا: من إدارة الأزمات إلى الشراكة الهيكلية.. قراءة في مخرجات مجلس التنسيق الأعلى وما بعدها


د. مصطفى التل

التل يكتب: الأردن وسوريا: من إدارة الأزمات إلى الشراكة الهيكلية.. قراءة في مخرجات مجلس التنسيق الأعلى وما بعدها

مدار الساعة ـ

في مشهد غير مسبوق منذ عقود، جمعت العاصمة الأردنية عمان قبل أيام أكثر من 30 وزيراً أردنياً وسورياً، ليس للتداول في أزمة عابرة أو ملف حدودي عالق، بل لوضع حجر الأساس لـ"شراكة استراتيجية متكاملة" بين البلدين , ما يجري على حدودنا الشمالية هذه الأيام ليس مجرد تقارب دبلوماسي عابر، بل إعادة تعريف كاملة لطبيعة العلاقة بين عمّان ودمشق.

بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، لم تعد سوريا ذلك الجار المثقل بالتوترات والميليشيات، بل بدأت تتبنى مفهوماً جديداً لبناء الدولة يقوم على المؤسسات لا الأيديولوجيا، وهذا ما وجد في الأردن أرضية خصبة للتعاون.

في المقابل، يرى الأردن في استقرار سوريا "مصلحة وطنية مباشرة"، ليس فقط لأسباب أمنية، بل اقتصادياً أيضاً، فسوريا المستقرة تعني بوابة جديدة للأسواق وممراً حيوياً نحو البحر المتوسط.

مجلس التنسيق الأعلى: من الحبر إلى الواقع

عُقدت الدورة الثانية لمجلس التنسيق الأعلى الأردني – السوري برئاسة وزيري خارجية البلدين، أيمن الصفدي وأسعد الشيباني، ولم تكن مجرد ورشة عمل بروتوكولية.

خلال ساعات جرى بحث التعاون في أكثر من 21 قطاعاً حيوياً، وتم التوقيع على أكثر من 10 اتفاقيات ومذكرات تفاهم، بعضها يحمل طابعاً تحويلياً حقيقياً.

في قطاع الطاقة تم الاتفاق على استئناف تزويد سوريا بالغاز الطبيعي خلال أيام، إلى جانب بحث ربط الكهرباء بين البلدين.

هذه الخطوة لا تخفف فقط معاناة السوريين من أزمة طاقة خانقة، بل تعيد للأردن دوراً إقليمياً كمركز للطاقة يربط الخليج بالمتوسط.

أما في ملف النقل والتجارة فقد تقرر تطوير معبر (نصيب-جابر) ليعمل على مدار الساعة وبمسارات منفصلة، إضافة إلى آلية استيراد جديدة قائمة على "المعاملة بالمثل" اعتباراً من أيار 2026.

عملياً هذا يعني أن الشاحنات الأردنية والسورية لم تعد تواجه عوائق جمركية غير متكافئة، وأن حركة البضائع ستصبح أسرع وأقل كلفة، ما ينعش قطاعات النقل والشحن والتخليص في البلدين.

ربما الأكثر طموحاً هو الحديث عن تكامل لوجستي بين ميناء العقبة على البحر الأحمر ومينائي اللاذقية وطرطوس على المتوسط، مع إعادة تفعيل الخط الحديدي الذي يربط الأردن بسوريا وتركيا , هذا المشروع، إذا تم تنفيذه كنا هو معلن عنه سيحول البلدين إلى محور عبور إقليمي ينافس طرقاً تجارية تقليدية.

الماء: من ملف شائك إلى أرضية تعاون

لطالما كان نهر اليرموك وسد الوحدة مصدر توتر بين البلدين، لكن التصريحات الأخيرة تحمل نبرة مختلفة , بدلاً من التصعيد جرى الاتفاق على "ضمان القسمة العادلة للمياه" وتفعيل منصة رقمية لتبادل البيانات المائية وتطوير مشروع الاستمطار المشترك.

هذه الآليات الفنية قد تبدو جافة لكنها في الحقيقة تشكل ثورة في إدارة الموارد المشتركة , فالشفافية الرقمية تمنع أي طرف من التلاعب بالأرقام، والاستمطار المشترك يعكس اعترافاً بأن تغير المناخ عدو مشترك لا يمكن مواجهته بمعزل عن الجار.

يبقى أن الاختبار الحقيقي سيكون مع موسم الصيف المقبل، عندما تبدأ الاحتياجات المائية في الذروة , لكن للمرة الأولى منذ سنوات هناك أطر تفاوضية وآليات تنفيذية يمكن اللجوء إليها قبل أن تتحول الأزمة إلى أزمة دبلوماسية.

العقوبات: إزالة العائق الأكبر أمام إعادة الإعمار

إذا كان هناك متغير واحد غيّر قواعد اللعبة بشكل جذري، فهو رفع العقوبات الغربية عن سوريا , ففي 13 أيار 2025 أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال مشاركته في منتدى الاستثمار السعودي-الأمريكي في الرياض، عن رفع جميع العقوبات المفروضة على الحكومة الانتقالية السورية، وذلك استجابةً لطلب ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان .

جاء هذا القرار تتويجاً لسلسلة من الخطوات التنفيذية، بدأت بإصدار تراخيص عامة وإعفاءات لمدة 180 يوماً، وصولاً إلى إصدار الأمر التنفيذي رقم 14312 في 30 حزيران 2025، الذي ألغى أساس برنامج العقوبات الشاملة . وبلغت العملية ذروتها في 18 كانون الأول 2025، بتوقيع الرئيس ترامب على قانون تفويض الدفاع الوطني، الذي تضمن بنداً بإلغاء قانون "قيصر" بشكل نهائي .

ما يعنيه هذا عملياً هو إزالة الخطر القانوني الذي كان يلوح في الأفق أمام أي شركة أو مؤسسة مالية تفكر في التعامل مع سوريا ,كان قانون "قيصر" لعام 2019 أداة ردع قوية، حيث هدد بفرض عقوبات على أي طرف، أجنبياً كان أم سورياً، يقدم دعماً كبيراً للحكومة السورية في قطاعات الطاقة، الطيران، أو البنية التحتية العسكرية .

بإلغائه لم تعد سوريا "منطقة محظورة" اقتصادياً , وهذا يفتح الباب أمام تدفق الاستثمارات العربية والدولية، ويسمح للمؤسسات المالية العالمية باستئناف المراسلة مع المصرف المركزي السوري، وهو شرط أساسي لتمويل أي مشاريع إعادة إعمار كبرى .

هذا التحول يفسر لماذا بات الأردن في سباق مع الزمن لتأمين موقعه في هذه المرحلة الجديدة , فالمنافسة على عقود الإعمار ستكون شرسة، والأردن يمتلك أوراق قوة متمثلة في الجوار الجغرافي، والخبرة في بناء المؤسسات، والسمعة كشريك موثوق، لكنه بحاجة إلى ترجمة هذه المزايا إلى اتفاقيات ملموسة قبل أن تستحوذ عليها أطراف أخرى.

الأمن المشترك: خط أحمر ضد المخدرات و"العدوان الإسرائيلي"

لم تخفِ الاجتماعات بُعدها الأمني , فوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني كان واضحاً: "انعكاسات الواقع الإقليمي المعقد تفرض علينا رفع مستوى التنسيق أمنياً وعسكرياً". وفي المقابل، أكد نظيره الأردني أيمن الصفدي أن "مصلحة البلدين مشتركة وأمنهما واحد".

هذا التنسيق له وجهان:

الأول هو مكافحة تهريب المخدرات والسلاح، وهي آفة كانت تخرج من الأراضي السورية لتغرق الأسواق الأردنية والخليجية.

الثاني هو التصدي للاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب السوري، حيث تم الاتفاق على "خريطة طريق لتثبيت الاستقرار في السويداء وجنوب سوريا".

في هذا السياق دان الجانبان "الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا"، وطالبا بانسحاب إسرائيل إلى خطوط اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974.

هذا التنسيق الدبلوماسي يعطي سوريا غطاءً عربياً في مواجهة التوغلات الإسرائيلية، ويعزز الأمن الأردني عبر منع تحويل جنوب سوريا إلى منطقة انفلات أمني.

تحديات لا يمكن تجاهلها

قراءة المشهد بموضوعية تفرض علينا ذكر التحديات التي لم تُحل بعد:

أولاً : كلفة إعادة الإعمار التي قدرها الشيباني بـ 250-400 مليار دولار, هذا المبلغ ضخم جداً .

رغم رفع العقوبات فإن تدفق رأس المال بهذا الحجم سيحتاج إلى بيئة استثمارية مستقرة وقوانين شفافة ومصرفية سليمة، وهي أمور تحتاج سوريا إلى سنوات لبنائها.

ثانياً : ملف اللاجئين السوريين في الأردن، وعددهم يتجاوز 1.3 مليون , لم ترد أي تفاصيل عن خريطة طريق للعودة الطوعية الآمنة، رغم أن هذا الملف يمثل ضغطاً يومياً على الاقتصاد والخدمات الأردنية .

ثالثاً : الجنوب السوري لا يزال منطقة هشة , خارطة الطريق المعلنة جيدة، لكن تنفيذها على الأرض مرهون بقدرة الحكومة السورية على بسط سيطرتها الكاملة وضمان عدم عودة الفوضى أو عودة تنظيمات إرهابية.

ماذا يعني كل هذا للمواطن العادي؟

بعيداً عن لغة السياسة، هناك فوائد عملية مرتقبة للمواطن الأردني والسوري على حد سواء:

- أسعار سلع أقل نتيجة تحسن حركة النقل وخفض الكلف الجمركية.

- فرص عمل جديدة في قطاعات النقل والشحن والخدمات اللوجستية.

- سياحة متبادلة أسهل عبر اتفاقيات التعاون في هذا القطاع.

- خدمات صحية لمرضى السرطان السوريين في الأردن، مما يعزز قطاع السياحة العلاجية.

- استقرار أمني أكبر في المناطق الحدودية، ما يعني أماناً للمزارعين وأهالي الشمال.

الصورة الأكبر : شراكة واعدة في ظل متغيرات دولية

ما يجمع الأردن وسوريا اليوم ليس مجرد مصالح ظرفية، بل إدراك حقيقي بأن عزلة أي منهما تضر بالآخر، وأن استقرارهما مرتبط بشكل وثيق.

المؤشرات إيجابية, مأسسة عالية المستوى، آليات تنفيذية واضحة، وتغطية شاملة لمعظم القطاعات الحيوية.

و الأهم هو أن البيئة الدولية أصبحت أكثر ملاءمة من أي وقت مضى , فرفع العقوبات الأمريكية الذي تم استجابة لطلب سعودي، يعيد تشكيل المشهد الاقتصادي بالكامل , فلم تعد العقوبات عائقاً بل أصبحت إعادة الإعمار هي الفرصة والتحدي الأكبر.

يبقى السؤال المحوري ماثلاً :

هل سيكون الأردن قادراً على تحويل هذه اللحظة السياسية إلى شراكات اقتصادية دائمة تعود بالخير على شعبه، أم أن البيروقراطية والمنافسة الإقليمية ستعيقان الاستفادة من هذا الزخم؟!

الأيام والأشهر القادمة وحدها كفيلة بالإجابة.

مدار الساعة ـ