أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين أحزاب مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

التل يكتب: من يحلل إيران؟ نقد منهجي لورقة الجامعة الأردنية


د. مصطفى التل

التل يكتب: من يحلل إيران؟ نقد منهجي لورقة الجامعة الأردنية

مدار الساعة ـ

في الأسبوع الماضي، صدرت عن مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية قراءة استراتيجية للحرب الإيرانية-الأمريكية-الإسرائيلية.

ورقة موسعة أعدها أربعة من حملة الدكتوراه في العلوم السياسية، وتناولت بالتحليل سيناريوهات مستقبل النظام الإيراني، ودور الأردن، وطموحات إسرائيل، والانتشار العسكري الأمريكي.

الورقة تبدو للوهلة الأولى متكاملة وجريئة، لكنها تثير بعض التساؤلات المنهجية، أبرزها أنها تحلل نظاماً دينياً شيعياً بأدوات صممت بالأساس لتحليل الدول القومية العلمانية.

يمكن تشبيه الحال بفريق من أطباء العظام المهرة يُطلب منهم إجراء جراحة دقيقة في شبكية العين , هم أطباء ممتازون يعرفون العظام والمفاصل، لكن أدواتهم غير مناسبة للعين، ومنظورهم لا يمكنهم من رؤية التفاصيل الدقيقة للأنسجة الرقيقة.

هذا هو حال فريق المركز: أربعة متخصصون في العلوم السياسية الغربية من مدارس واقعية وليبرالية وبنيوية، يستخدمون نظرية الألعاب وتحليل المجمعات الأمنية الإقليمية , هذه أدوات ممتازة لتحليل سلوك الدول القومية وموازين القوى والمصالح والردع , لكن إيران ليست مجرد دولة قومية، بل هي جمهورية إسلامية شيعية بتعريفها الرسمي، ونظام ولاية الفقيه بعقيدتها السياسية، ودولة رسالة بهويتها المؤسسة على الانتظار المهدوي والاستشهاد.

المشكلة ليست في كفاءة الفريق، بل في أن المركز لم يشرك معهم متخصصاً في العلوم السياسية الإسلامية.

غياب هذا التخصص يعني أن الفريق قد لا يكون على دراية كافية بالفرق بين المرجع والفقيه، أو بمفهوم الانتظار وآثاره الاستراتيجية، أو بالتمييز بين الحوزة في قم والحوزة في النجف وعلاقة كل منهما بالسلطة.

كما أن قراءة فتاوى المرشد السابق أو تفسير خطاب المقاومة الإسلامية بلغته الداخلية تتطلب أدوات معرفية مختلفة عن الترجمة الغربية المباشرة.

النتيجة أن الورقة تقدم معلومات وافرة عن القوة الصاروخية وشبكة الوكلاء والعقوبات الاقتصادية، لكنها أقل عمقاً في فهم البنية الذهنية التي تحرك هذا النظام.

تبني الورقة فرضيتها المركزية على أن مقتل علي خامنئي مع ثمانية وأربعين قيادياً سيخلق فراغاً في هرم السلطة وأزمة شرعية متصاعدة.

هذا تحليل مفهوم من منظور غربي حيث اغتيال الرئيس أو رأس النظام يعني عادة فوضى , لكن النظام الإيراني ليس ملكياً ولا رئاسياً بالمعنى الغربي.

في نظرية ولاية الفقيه كما صاغها الخميني وطورها خامنئي، الفقيه ليس شخصاً بقدر ما هو منصب مؤسسي، هو النائب العام للإمام المهدي في غيبته , ينتخبه مجلس الخبراء وهو هيئة من رجال الدين، ويمكن عزله إذا لم يعد صالحاً.

هذا يعني أن المنصب يسبق الشخص، وأن آلية الخلافة موجودة ومعدة مسبقاً , فمقتل الفقيه لا يعني بالضرورة موت النظام، بل قد يعني تفعيل آلية الخلافة، وهو ما حدث بالفعل بسلاسة تحت ضغط الحرب.

الورقة توقعت انهياراً أو صراعاً على الخلافة، لكن الواقع أظهر قدرة النظام على إدارة الفراغ القيادي.

كما يبدو أن الفريق قرأ إيران بمقاييس تجارب أخرى كحال مصر تحت حكم مبارك أو سوريا تحت حكم الأسد، مع الاختلاف الجوهري في طبيعة النظام.

ثم تتحدث الورقة عن الخلايا النائمة في الخليج وإفريقيا وآسيا الوسطى، وعن فتاوى المرجعيات الشيعية التي ستطلق في اللحظة المناسبة لنشر الفوضى.

هذا الطرح يمكن مناقشته، إذ قد يكون أقرب إلى ترديد خطاب إيراني يهدف إلى تضخيم الردع النفسي منه إلى تحليل موضوعي.

لو شارك في إعداد الورقة متخصص في العلوم السياسية الإسلامية، لأشار إلى أن المرجعيات الشيعية العليا مثل السيستاني في النجف ليست أذرعاً إيرانية، فالسيستاني يرفض ولاية الفقيه ولم يطلق فتوى جهاد مقدس ضد أمريكا أو إسرائيل في أربعين عاماً.

حتى المرجعيات الموالية لإيران في قم لا تملك سلطة فتوى عالمية تلزم كل الشيعة، لأن الشيعة ليسوا كنيسة مركزية، بل لكل مقلد أن يختار مرجعه وكل مرجع له فتاويه.

أما الحديث عن الخلايا النائمة في الخليج، فلم تقدم الورقة أدلة محددة على وجودها , آخر خلية معلنة تم تفكيكها في السعودية كانت عام 2019، والحديث عنها اليوم قد يكون مبالغاً فيه.

الورقة ربما وقعت في فخ تضخيم الخصم، وهو خطأ شائع في المدرسة الواقعية عند تحليل خصم غير غربي، حيث يتم تضخيم قوته لتبرير صعوبة هزيمته , إيران قوة إقليمية مهمة بلا شك، لكن وصفها بالإمبراطورية الشيعية الخفية قد يكون مبالغاً فيه.

كما تتبنى الورقة فكرة أن إسرائيل، بعد تحييد إيران، ستنتقل من الردع إلى الهيمنة الإقليمية، وتصف كيف ستعيد رسم خارطة الشرق الأوسط وفق مصالحها, هنا أيضاً كان يمكن لمتخصص في العلوم السياسية الإسلامية أن يطرح سؤالاً مهماً: ماذا عن تركيا؟! تركيا دولة مسلمة سنية ذات طموحات إقليمية واضحة، وجيشها ثاني أكبر جيش في الناتو، وهي موجودة عسكرياً في سوريا والعراق وليبيا وقطر والصومال.

من غير المرجح أن تقبل تركيا بهيمنة إسرائيلية على المنطقة، بل قد تسعى مع مصر والسعودية وإيران المتبقية إلى تشكيل محاور مضادة تعيد التوازن , الورقة ذكرت تركيا في سطرين ثم تجاوزتها، وهذا يضعف من قوة التحليل.

الهيمنة الإسرائيلية إن كانت ممكنة، تحتاج إلى موافقة أو قبول من أنقرة والقاهرة والرياض، ولا يوجد مؤشر واضح على أن هذه العواصم مستعدة للتخلي عن استقلالية قرارها.

قد يتساءل قائل: الورقة قريبة من الواقع في كثير من نقاطها، فلماذا كل هذا التركيز على غياب التخصص الإسلامي؟!

الجواب أن الفهم غير المكتمل لطبيعة الخصم قد يؤدي إلى استنتاجات غير دقيقة , عندما تقرأ جهة رسمية ورقة تخبرك أن إيران على وشك الانهيار لأن مرشدها قُتل، فقد تبنى سياستها على هذا الافتراض، فإذا لم يحدث الانهيار تجد نفسها قد راهنت على تقدير غير دقيق. وعندما تقرأ الورقة أن إيران تملك خلايا نائمة في الخليج، فقد يؤدي ذلك إلى تبني سياسات أمنية مشددة غير ضرورية، أو إلى قلق مبالغ فيه من خطر قد لا يكون موجوداً بالحجم المزعوم.

وعندما تقرأ أن إسرائيل مقبلة على الهيمنة، فقد يؤدي ذلك إلى استسلام واقعي أو تحالف بدون شروط، ظناً أن القطار الإسرائيلي لا يمكن إيقافه.

هذه الإشكالات تنبع من استخدام أدوات تحليل غير مناسبة بالكامل لطبيعة الموضوع، وليس من سوء نية.

لو أتيحت الفرصة لإضافة متخصص في العلوم السياسية الإسلامية إلى فريق المركز، لأضاف أبعاداً مهمة , على سبيل المثال :

- فصلاً عن ولاية الفقيه كمنصب مؤسسي يشرح أن النظام لا يموت بموت فرد، وأهمية التركيز على مجلس الخبراء وعلاقة الحرس الثوري بالحوزة وآلية اختيار الفقيه الجديد.

- فصلاً عن الانتظار المهدوي كإطار استراتيجي، يشرح أن الإيمان بأن الدولة الحقيقية للإمام المهدي لم تأت بعد، وأن ما يعيشونه الآن هو دولة مؤقتة تمهيدية، يجعل النظام قادراً على تحمل خسائر لا تستطيع الدول القومية تحملها، فالاستشهاد في هذه المنظومة ليس خسارة بشرية بل هو شهادة وإنجاز بحد ذاته , هذه العقلية تفسر صمود إيران تحت وطأة العقوبات والحروب أكثر من أي تفسير واقعي تقليدي.

- فصلاً عن الحوزة كبديل عن الأحزاب، فالصراع على السلطة في إيران لا يدور فقط بين إصلاحيين ومحافظين، بل بين مدارس فقهية ومراجع تقليد وأجيال من طلاب الحوزة ,بدون فهم هذه البنية، تبقى الدراسات عن انقسامات النخبة سطحية.

- فصلاً عن الفرق بين المرجعية وولاية الفقيه، يوضح أن السيستاني ليس خامنئي، والنجف ليست قم، والشيعة ليسوا بابوية، فلا ينبغي الخلط بين السلطة الدينية العالمية التي لا يملكها أحد والسلطة السياسية المحلية التي يملكها المرشد في إيران فقط.

الاستشراق القديم كان يقرأ الشرق من خلال نصوصه الدينية القديمة فقط متجاهلاً حداثته وتحولاته , أما ما يمكن تسميته بالاستشراق الجديد الذي نمارسه أحياناً في الكتابات العربية المعاصرة، فهو العكس تماماً: نقرأ الشرق وإيران والإسلام السياسي والحركات الدينية بأدوات غربية علمانية، وكأن البعد الديني لا يؤثر في السلوك السياسي، أو يمكن اختزاله في أيديولوجيا مثل الشيوعية أو الفاشية.

هذا خلط مزدوج: خلط معرفي، لأن الدين في هذه الأنظمة ليس مجرد أيديولوجيا تغليفية بل هو بنية مؤسسية وذهنية، وخلط منهجي، لأن استخدام أداة قياس غير مناسبة يؤدي إلى نتائج لا تتطابق مع الواقع.

مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية مركز محترم وله إسهاماته القيمة , لكن هذه الورقة تحديداً تبرز الحاجة إلى النظر إلى مدرسة العلوم السياسية الإسلامية كمكمل لا منافس يجب إقصاؤه.

فليس المطلوب التخلي عن الأدوات التحليلية الغربية التي أثبتت جدارتها في فهم موازين القوى والمصالح والردع، بل المطلوب إضافتها إلى أدوات أخرى مستمدة من فهم طبيعة الأنظمة الدينية.

هذا يستدعي تشكيل فرق بحثية متعددة التخصصات، تضم إلى جانب خبراء العلاقات الدولية متخصصين في العلوم السياسية الإسلامية، ليس بهدف استبدال منهج بآخر، بل لسد فجوة معرفية كانت غائبة.

كما أن التواضع المنهجي يقتضي الاعتراف أن أدواتنا الحالية، رغم قيمتها، غير كافية وحدها، وأن تطويرها لا يعني هدمها بل بنيانها بشكل أوسع وأشمل.

الورقة التي يقدمها المركز هي قراءة جادة تستحق الاحترام، لكنها قطفت من بستان غير بستان إيران بالكامل , المرشد الإيراني الذي مات وجاء غيره لا يزال حاضراً في المعادلة، ربما لأن الفريق الذي حاول تحليل نهاية نظامه احتاج إلى سؤال رجل متخصص في العلوم السياسية الإسلامية: كيف يفكر هؤلاء؟! عندما تحلل خصماً، السؤال الأهم ليس فقط ماذا أستطيع أن أفعل به، بل ماذا يستطيع هو فعلاً أن يفعل؟!

الورقة أجابت على السؤال الأول بشكل جيد، لكنها لم تجب بالعمق نفسه على السؤال الثاني , وهذا ما يستحق التأمل والتطوير في أعمال مستقبلية

مدار الساعة ـ