أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

التل يكتب: الأردن بين دفاعه عن سيادته و'انزعاج' البعض.. رد على د. طارق خوري


د. مصطفى التل

التل يكتب: الأردن بين دفاعه عن سيادته و'انزعاج' البعض.. رد على د. طارق خوري

مدار الساعة ـ

قرأت مقال الدكتور طارق سامي خوري تحت عنوان "لماذا ينزعج البعض عندما يُقصف الكيان الصهيوني من قبل إيران وحزب الله؟"، وقد وجدت فيه محاولة لقراءة الموقف الأردني من زاوية لا تعكس الحقيقة، بل تختزلها في إطار ضيق لا يليق بوعي الأردنيين ولا بمواقفهم الوطنية.

لست أدري إن كان الكاتب يتحدث عن "البعض" الذين ينزعجون، أم عن الأردن تحديداً، خصوصاً أن المقال جاء بعد أسابيع من مقال سابق لي أوضحت فيه الموقف الأردني من الحرب الدائرة.

بغض النظر عن المقصود، أجد نفسي مضطراً لتوضيح عدة نقاط قد تكون غابت عن كاتب المقال، أو تغاضى عنها عمداً.

أولاً: السؤال الخطأ يؤدي إلى إجابة خاطئة

يبدأ الكاتب بسؤال: "لماذا ينزعج البعض عندما يُقصف الكيان الصهيوني من قبل إيران وحزب الله؟"

المشكلة أن هذا السؤال مبني على مغالطة كبرى: فالأردنيون لا ينزعجون من قصف إسرائيل، بل ينزعجون عندما تسقط شظايا تلك الصواريخ على قرى إربد والكرك ومعان، وعندما تُخرق سيادة بلدهم الذي يعلن مراراً وتكراراً أنه ليس طرفاً في هذه الحرب.

هل يعقل أن يُطلب من الأردن أن "لا ينزعج" بينما تتساقط الصواريخ على منازل مواطنيه ومدارس أبنائه؟! هل الدفاع عن النفس أصبح في قاموس البعض "انزعاجاً" يستحق الاستنكار؟!

نحن في الأردن لا ننزعج لأن إسرائيل تُقصف. نحن ننزعج لأننا ندفع الثمن من دمائنا وأرضنا في حرب ليست حربنا.

ثانياً: التنافر النفسي أم التناقض الحقيقي؟

يتحدث الكاتب عن "التنافر النفسي" الذي يصيب البعض عندما يصطدم الواقع بقناعاتهم المسبقة , ويدعي أن مَن يرفضون العمليات العسكرية التي تنطلق من محيط الأردن أو تعبر سماءه يعانون من صراع داخلي بين قناعاتهم الوطنية واصطفافاتهم المسبقة.

دعوني أوضح للكاتب: لا تنافر عند الأردنيين، ولا صرا , . الأردنيون يمتلكون وعياً متكاملاً يسمح لهم بالتمييز بين الثوابت والمتغيرات:

أ - الثابت الأردني: دعم فلسطين، رفض الاحتلال، العداء لإسرائيل دولة احتلال.

ب - الثابت الأردني أيضاً: الدفاع عن السيادة، حماية المواطن، رفض أن تكون الأردن ساحة حرب.

هذان الثابتان لا يتناقضان , بل هما وجهان لعملة واحدة: أردن قوي ومستقر هو من يدافع عن فلسطين، وليس أردناً مفككاً تلتهمه الحروب الإقليمية.

المشكلة الحقيقية ليست في "تنافر نفسي" يعاني منه الأردنيون، بل في محاولة البعض إلباسهم تناقضاً لا يشعرون به، لمجرد أنهم يرفضون أن يكونوا وقوداً لصالح غيرهم.

ثالثاً: الاصطفاف الذي يريده البعض ليس خيار الأردن

يقول الكاتب إن "الاصطفاف السياسي المسبق" هو ما يدفع البعض لرفض أفعال "محور المقاومة" حتى لو كانت موجهة ضد إسرائيل.

وهنا اسمحوا لي أن أكون أكثر وضوحاً: الأردن ليس دولة في "محور" ولا في "محاور " , الأردن دولة ذات سيادة، تقيم علاقاتها مع الجميع على أساس المصالح المتبادلة واحترام السيادة.

نحن نرفض أن نكون "حرس حدود" لإسرائيل كما قلنا بوضوح , ونرفض أيضاً أن نكون "ممراً مجانياً" لإيران أو غيرها لضرب إسرائيل دون اكتراث بأن الشظايا تقتل أبناءنا ,فهل هذا "اصطفاف"؟ كلا، هذا ما تسميه دول العالم الدفاع عن السيادة الوطنية.

الكاتب يريد أن يصنف العالم إلى معسكرين: مع المقاومة أو ضدها , و أبناء الأردن في نظرته هذه إن لم يكونوا مع "محور المقاومة" فهم بالضرورة مع أمريكا وإسرائيل , وهذا تبسيط مخل لا يليق بمستوى التحليل السياسي.

الأردن مع نفسه أولاً و مع أمنه واستقراره , مع قضيته الفلسطينية , وليس مع أي محور.

رابعاً: توجيه السؤال إلى الجهة الصحيحة

ربما كان الأجدر بالكاتب أن يسأل سؤالاً آخر: لماذا لا تحترم إيران سيادة الأردن كما يحترم الأردن سيادتها؟!

نحن في الأردن نعلنها بوضوح : نحن مع أي جهد يوقف الحرب، ومع أي حل دبلوماسي يحقن الدماء.

لكننا في الوقت نفسه لن نقبل أن تتحول سماؤنا إلى ممر مفتوح للصواريخ والمسيرات، مهما كان مصدرها أو وجهتها.

إذا كان الكاتب يعتقد أن المطالبة باحترام السيادة هو "انزعاج" غير مبرر، فنحن نعتذر : في الأردن السيادة خط أحمر، والمواطن الأردني خط أحمر، ودفاعنا عنهما ليس عيباً بل واجب.

خامساً: العدو الحقيقي وأولوية الخلافات

يتحدث الكاتب عن "أزمة في تعريف الأولويات" حيث تتقدم الخلافات البينية على "العدو المركزي" , وهذا كلام نظري جميل، لكنه يصطدم بواقع لا يمكن تجاهله.

نعم إسرائيل هي العدو المحتل، والقضية الفلسطينية هي قضية الأردن الأولى , لكن هل يعني ذلك أننا يجب أن نقبل أي شيء يُفعل باسم مقاومة إسرائيل، حتى لو كان على حساب أمننا وسيادتنا؟!

مَن يريد للأردن أن يكون قوياً في دعمه لفلسطين، فليدعم أردناً قوياً ومستقراً , الأردن المفكك، الذي تُحرق حدوده وتُستباح سماؤه، لن يخدم فلسطين، بل سيصبح عبئاً إضافياً على قضية هي أصلاً مثقلة بالتحديات.

سادساً: الأردن كما يريده أردنيوه

الدكتور خوري يختتم مقاله بعبارة: "الوطن يكبر بالمحبة ويفنى بالبغضاء" , وأنا أتفق معه تماماً , لكن المحبة الحقيقية للوطن لا تكون بالصمت على ما يهدده، بل بالدفاع عنه بكل شجاعة ووضوح.

الأردن لا يحتاج من أحد أن يشرح له مَن عدوه , الأردن يعرف أن إسرائيل هي العدو المحتل، ويعرف أن القضية الفلسطينية هي قضيته الأولى.

لكن الأردن يعرف أيضاً أن حماية أبنائه ليست خيانة للقضية، بل هي شرط أساسي للدفاع عنها.

إذا كان الكاتب يريد أن يصنف الأردن، فليصنفه كما يريد أردنيوه: وطن لا يقبل المساومة على سيادته، ولا يفرط في قضاياه، ولا يسمح لأحد بأن يجرّه إلى حروب لا يتحمل تبعاتها.

هذا هو الأردن , ليس معسكراً في حرب المحاور، بل دولة ذات سيادة، تحمي أبناءها، وتدافع عن قضيتها، وترفض أن تكون ساحة لأي طرف.

فليسمع مَن يريد أن يسمع، وليفهم من يريد أن يفهم

مدار الساعة ـ