في علم القانون، هناك فرق جوهري بين "المشروعية" و"الدستورية", الأول يعني أن القانون صدر بالطرق الإجرائية الصحيحة، والثاني يعني أن مضمونه لا يتعارض مع القواعد الأعلى في سلم التشريع، أي الدستور.
مسودة القانون المعدل لقانون الضمان الاجتماعي تثير إشكاليات دستورية وقانونية عميقة، تتجاوز الجدل الاقتصادي إلى صميم فلسفة الدولة في حماية حقوق المواطنين. ليست هذه قراءة في الأرقام والمعادلات الاكتوارية، بل وقفة عند النصوص ذاتها، عند صياغاتها ومرجعياتها الدستورية، وعند الحدود التي كان ينبغي على المشرع أن يقف عندها، لكنه للأسف تجاوزها.لنبدأ من المادة الأولى، أو بالأحرى من المادة السادسة من الدستور التي تقول إن الأردنيين أمام القانون سواء، لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات , هذه المادة ليست شعاراً يعلق على الجدران، بل قاعدة ملزمة للمشرع، ومعياراً لرقابة المحكمة الدستورية. عندما نقرأ المواد التي ترفع سن التقاعد وتشدد شروط المبكر، نجد أن القانون يخلق تمييزاً واضحاً بين فئات المؤمن عليهم بناءً على عامل الزمن فقط, مؤمنان عليهما اشتركا في النظام لعشرين سنة، ودفعا نفس الاشتراكات، سيخرج أحدهما بتقاعد مبكر والآخر سيضطر للانتظار سنوات إضافية، فقط لأن تاريخ ميلاده متأخر ببضعة أشهر. هل يشكل هذا التمييز القائم على عامل الزمن انتهاكاً لمبدأ المساواة؟! المحكمة الدستورية في اجتهاداتها المتعددة أكدت أن التمييز المحظور هو الذي لا يستند إلى أسس موضوعية ومعقولة، والسؤال هنا: هل مجرد اختلاف التاريخ مبرر موضوعي كافٍ للتفريق في الحقوق الأساسية؟! الإجابة القانونية الدقيقة أن ذلك لا يجوز إذا كان هذا التمييز يمس جوهر الحقوق المكتسبة.وهنا نصل إلى الإشكالية الدستورية الثانية، وهي مسألة الحقوق المكتسبة التي تحميها المادة 128 من الدستور، والتي تنص على أن جميع القوانين تبقى نافذة إلى أن تُلغى أو تعدل، على أن لا يتطرق التعديل أو الإلغاء إلى أي حق اكتسب قبل نفاذ التشريع الجديد ,هذه المادة تمثل الدرع الواقي للحقوق في مواجهة سلطة المشرع. المؤمن عليه الذي أمضى 15 سنة في العمل وهو يعلم أن شروط التقاعد المبكر تسمح له بالخروج بعد 25 سنة، هل له "حق مكتسب" في هذا التوقع؟! الفقه الدستوري يميز بين "الحق المكتسب" و"مجرد التوقع" ,الأول محمي دستورياً، والثاني يمكن للمشرع تعديله. لكن المشكلة أن القانون الجديد لا يفرق بين الاثنين بوضوح، بل إنه يخلط بين الحقوق والتوقعات، ويطبق القواعد الجديدة على جميع الحالات التي لم تستوفِ الشروط القديمة بشكل كامل، حتى لو كانت قد قطعت شوطاً كبيراً في تحقيقها. هذا يشكل تجاوزاً للحدود الدستورية في تنظيم الحقوق، ويخلق حالة من انعدام الأمن القانوني التي تهدد الثقة المشروعة للمواطن في استقرار القواعد التي تحكم مستقبله.الانتقال إلى مسألة التفويض التشريعي، نجد أن مسودة القانون تمنح المجلس صلاحيات واسعة لإصدار تعليمات تنظيمية في قضايا جوهرية , فالمادة الرابعة تفوض المجلس بتحديد آلية شمول الفئات الجديدة والتأمينات المشمولة بها والأجر الخاضع للاقتطاع وكافة الأمور الأخرى المتعلقة بهم بموجب تعليمات , والمادة الحادية عشرة تخول المجلس إصدار التعليمات التنفيذية الداخلية والمالية والإدارية والفنية والاستثمارية للمؤسسة. المشكلة ليست في التفويض بحد ذاته، فالتفويض التشريعي ضروري في القوانين الحديثة، بل في عدم تحديد معايير واضحة لممارسة هذا التفويض , المحكمة الدستورية المصرية ومن قبلها مجلس الدولة الفرنسي (جماعتنا يعشقون التشريع الغربي) اشترطا أن يتضمن القانون المفوض المعايير الجوهرية التي تحكم ممارسة السلطة التنظيمية. بدون هذه المعايير، يصبح التفويض "تفويضاً أبيض" يخل بمبدأ فصل السلطات، ويحول المجلس إلى هيئة تشريعية موازية دون رقابة برلمانية حقيقية.أما المادة 94 التي تتحدث عن الإعفاءات، فتحمل إشكاليات دستورية مركبة , الفقرة هـ/2 تعفي المؤسسة وجميع معاملاتها المالية والتأمينية والاستثمارية من جميع الضرائب والرسوم الحكومية بما في ذلك رسوم طوابع الواردات. هذا النص يثير إشكاليتين: الأولى دستورية الإعفاء الضريبي المطلق، فهل يجوز للمشرع أن يعفي جهة عامة من جميع الضرائب دون تحديد سقف زمني أو موضوعي؟!, هذا قد يشكل إخلالاً بمبدأ العدالة الضريبية الذي يستوجب توزيع الأعباء العامة بالتساوي. والثانية غموض الصياغة، فعبارة "جميع المعاملات المالية والتأمينية والاستثمارية" واسعة وغير محددة، وهل تشمل المعاملات مع الغير؟! , وهل تشمل العقود مع القطاع الخاص؟! , هذا الغموض سيؤدي حتماً إلى نزاعات تفسيرية قد تصل إلى القضاء الإداري.والأخطر من ذلك الفقرة (و) من نفس المادة، التي تمنح المجلس صلاحية الإعفاء من كل أو بعض الغرامات والفوائد الناتجة عن العمليات الاستثمارية إذا قام المستثمر بدفع أصل المبالغ المطلوبة دفعة واحدة ,هذه الصلاحية واسعة وغير مقيدة بأي معايير موضوعية. مَن هم المستثمرون المستفيدون؟! , ما هي الحالات التي تستحق الإعفاء؟! ما هي مبررات التمييز بين المستثمرين؟! , غياب هذه المعايير يحوّل السلطة التقديرية إلى سلطة مطلقة، مما يفتح الباب للاجتهادات والتفاوت في المعاملة، وقد يصل إلى حد إساءة استعمال السلطة التي تعاقب عليها القوانين الجزائية.من ناحية الحوكمة الداخلية، نجد أن المادة 12 تنص على أن يعين المحافظ برتبة وزير بقرار من مجلس الوزراء لمدة خمس سنوات على أن يقترن قرار التعيين وتجديد التعيين وقبول الاستقالة بالإرادة الملكية. هذا النص يحاكي نموذج تعيين محافظ البنك المركزي، وهو تطور إيجابي يعزز استقلالية المؤسسة , لكنه يثير تساؤلاً دستورياً: هل يجوز اقتران قرار تعيين موظف عام بالإرادة الملكية، أم أن هذا من اختصاص السلطة التنفيذية حصراً؟.الدستور الأردني يوزع الاختصاصات بين الملك ومجلس الوزراء، وتعيين الموظفين من صلاحيات مجلس الوزراء ما لم ينص الدستور على خلاف ذلك , هذا النص على "الإرادة الملكية" في التعيين يحتاج إلى سند دستوري واضح، وإلا اعتبر تدخلاً في اختصاصات السلطة التنفيذية قد يثير إشكالاً أمام المحكمة الدستورية.في شأن الفصل بين مجلس التأمينات ومجلس الاستثمار المنصوص عليه في المادتين 13 و14، وهو خطوة إيجابية تعترف باختلاف طبيعة العملين، إلا أن الإشكالية القانونية تكمن في العلاقة بين هذين المجلسين والمحافظ. فالمادة 13 تجعل مجلس التأمينات برئاسة نائب المحافظ للتأمينات، والمادة 14 تجعل مجلس الاستثمار برئاسة نائب المحافظ للاستثمار, هذا يعني أن المجلسين يرأسهما تابعان للمحافظ، وليس أعضاء مستقلين. والسؤال هنا: هل هذا الفصل حقيقي أم شكلي؟! النص القانوني يشير إلى أن المجلسين سيكونان أدوات تنفيذية بيد المحافظ، وليس هيئات رقابية مستقلة، مما يفقد الهدف الأساسي من إنشائها.أما بخصوص غياب معايير تضارب المصالح، فالمادة 11/ح تخول المجلس إقرار أسس الحوكمة ومعاييرها في المؤسسة بما في ذلك سياسات منع تضارب المصالح المحتملة ووضع إجراءات للحد من هذه التضاربات. لكنها لا تحدد الحد الأدنى لهذه السياسات، ولا تفرض الكشف عن المصالح، ولا تنص على تجريد أعضاء المجلس من حق التصويت في حالة تضارب المصالح. البنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وضعا معايير دقيقة لحوكمة صناديق التقاعد، من أبرزها الإفصاح الكامل، وتجريد المسؤول من حق التصويت عند تضارب المصالح، وإنشاء لجنة مستقلة للرقابة , مسودة القانون خلت من هذه التفاصيل الجوهرية، مما يجعل نصوص الحوكمة شكلية أكثر منها موضوعية.لكن أخطر إشكالية قانونية في مشروع القانون ليست في نصوصه، بل في غياب السند الموضوعي الذي بنيت عليه, الحكومة اعتمدت على الدراسة الاكتوارية الحادية عشرة التي نُشرت في كانون الأول الماضي. لكن هذه الدراسة بنيت على القانون الحالي، وليس على القانون المعدل , فكيف يمكن للمشرع أن يقر قانوناً يغير جذرياً في شروط التقاعد وعدد الاشتراكات وسن التقاعد، دون أن يكون أمامه دراسة اكتوارية محدثة تبين أثر هذه التعديلات على نقاط التعادل والالتزامات المستقبلية؟! المادة 120 من الدستور تتطلب أن تستند القوانين إلى أسس موضوعية , غياب الدراسة الاكتوارية المحدثة يجعل القانون بلا سند علمي، ويحول عملية التشريع إلى مغامرة تشريعية غير محسوبة العواقب. بل إن المسار الدستوري الصحيح كان يقتضي إعداد دراسة اكتوارية محدثة تأخذ في الاعتبار التعديلات المقترحة، ونشر مشروع القانون مع مذكرته الإيضاحية والدراسة المحدثة، ثم نقاش عام مستند إلى بيانات ومعلومات، ثم إحالة مشروع القانون إلى مجلس النواب لدراسته في اللجان المختصة، وأخيراً مناقشة علنية تحت القبة والتصويت عليه مادة مادة. ما حدث عملياً أن ديوان التشريع نشر المسودة لمدة 15 يوماً للتعليق، دون أن ينشر معها الدراسة الاكتوارية المحدثة التي تبين أثر التعديلات، وهذا يجعل "المشاركة المجتمعية" مجرد شكل إجرائي خالٍ من المضمون.التمييز بين "دستورية الإجراء" و"دستورية المضمون" أساسي في الرقابة الدستورية. الأول يتعلق بطريقة إقرار القانون، والثاني يتعلق بمضمونه. من حيث الإجراءات، مشروع القانون سلك المسار الدستوري العادي، لكن هذا المسار شكلي وليس موضوعياً، لأنه افتقد إلى السند العلمي الذي يجب أن يرافق أي تعديل تشريعي بهذا الحجم. ومن حيث المضمون، مسودة القانون تثير إشكاليات دستورية حقيقية: انتهاك لمبدأ المساواة، ومساس بالحقوق المكتسبة، وتفويض تشريعي مفتوح يخل بمبدأ فصل السلطات، وإعفاءات ضريبية مطلقة قد تخل بمبدأ العدالة في توزيع الأعباء العامة، وغياب معايير واضحة للإعفاء من الغرامات مما يفتح الباب لإساءة استعمال السلطة.لو كان بإمكاني تقديم توصيات قانونية ملزمة، لقلت إنه من الضروري إجراء دراسة اكتوارية محدثة تأخذ في الاعتبار جميع التعديلات المقترحة، ونشرها مع مشروع القانون قبل إقراره. ومراجعة النصوص الدستورية الإشكالية، خاصة المتعلقة بالتمييز بين فئات المؤمن عليهم، وضمان عدم المساس بالحقوق المكتسبة. وتحديد معايير واضحة للتفويض التشريعي، بحيث لا تترك الأمور الجوهرية لتعليمات يصدرها المجلس دون رقابة برلمانية , وتقييد صلاحية الإعفاء من الغرامات بمعايير موضوعية واضحة، والنص على وجوب نشر قرارات الإعفاء وأسبابها. ومراجعة الإعفاء الضريبي المطلق، وتحديد سقف زمني أو موضوعي له. وتعزيز استقلالية مجلسي التأمينات والاستثمار، بجعلهما هيئات مستقلة عن المحافظ، وليس مجرد مجالس يرأسها نوابه.الدستور ليس مجموعة من القيود التي تعيق المشرع، بل هو ضمانة للمواطن في مواجهة سلطة الدولة , كلما كانت التعديلات جذرية ومؤلمة، كلما كانت الحاجة إلى الالتزام بالدستور أكبر، ليس من الناحية الإجرائية فحسب، بل من الناحية الموضوعية أيضاً. قانون الضمان الاجتماعي ليس كأي قانون. إنه العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن، والتعبير القانوني عن وعد الدولة بحماية مواطنيها عند الشيخوخة والعجز , أي تعديل في هذا العقد يجب أن يكون مستنداً إلى أسس موضوعية، ومتوافقاً مع مبادئ الدستور العليا، ومحاطاً بأعلى درجات الشفافية والمشاركة. مسودة القانون الحالية، رغم بعض التحسينات الإيجابية، تعاني من إشكاليات دستورية وقانونية عميقة، تتجاوز الجدل الاقتصادي إلى صميم مفهوم الدولة القانونية وحقوق المواطنين , معالجة هذه الإشكاليات قبل إقرار القانون ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة دستورية وقانونية. الدستور فوق الجميع، وحقوق المواطنين أمانة في أعناق المشرعين.الضمان الاجتماعي بين النص الدستوري والتشريع: قراءة قانونية نقدية في مسودة القانون المعدل لسنة 2026
د. مصطفى التل
الضمان الاجتماعي بين النص الدستوري والتشريع: قراءة قانونية نقدية في مسودة القانون المعدل لسنة 2026
مدار الساعة ـ