في خطوة وصفتها المؤسسة العامة للغذاء والدواء بأنها تهدف إلى "ضبط الاستخدام العشوائي للمضادات الحيوية والحد من مقاومة البكتيريا"، يترقب الأردنيون تعميماً يلزم إرفاق تقرير مخبري مع الوصفة الطبية قبل صرف أي مضاد حيوي.
بين الهدف النبيل الذي تعلنه المؤسسة، والواقع المعيشي للمواطن، تقف عدة علامات استفهام كبرى تنتظر إجابات شافية، قبل أن تتحول "خطوة التنظيم" إلى "عبء جديد" على جباه الفقراء ومتوسطي الدخل.من خلف عدسة الهدف الصحي العالمي تظهر صورة مشروع القرار كإجراء ضروري لمواجهة "وباء صامت" هو مقاومة المضادات الحيوية. لكن يكمن الشيطان في التفاصيل, تفاصيل تلامس جيب المواطن، ودور مهني حيوي، ومدى استناد القرار إلى رؤية علمية محلية , من خلال ثلاثة محاور رئيسة :أولاً: الصيدلي... شريك في العلاج أم مجرد "بائع"؟!المواطن الأردني غير المؤمن صحياً، اعتاد على ثنائية "الصيدلي-المريض" في الحالات البسيطة , فهو يثق بخبرة الصيدلي الذي يخفف عنه عناء دفع كلفة الكشف الطبي التي باتت تشكل عبئاً إضافياً في موازنات الأسر, فالصيدلي كخبير دواء ومتخصص يقدم خدمة مجتمعية مهمة بتقييمه الأولي. فهل الهدف من التعميم الجديد إنهاء هذا الدور تماماً؟! وهل سيقتصر عمل الصيدلي على مجرد صرف الدواء بعد أن يصبح التقرير المخبري في يد المريض؟!إن تحميل الصيدلي مسؤولية "الحد من الصرف العشوائي" يجب ألا يعني تحويله إلى حاجز إداري، بل يجب أن يكون جزءاً من حلقة متكاملة يظل فيها دوره محورياً في التوعية والاستشارة. تحجيم دوره بهذا الشكل قد يفقد المجتمع ثقة مهمة في المنظومة الصحية، ويزيد العبء على الأطباء والعيادات.ثانياً: من يدفع الثمن؟! كابوس الفاتورة الجديدةالتساؤل الأكثر إلحاحاً هو: مَن سيتحمل كلفة هذه التحاليل المخبرية؟! المواطن الأردني الذي يئن تحت وطأة الغلاء ويبحث عن أي وسيلة لتخفيف النفقات سيجد نفسه مضطراً لدفع مبلغ إضافي قد لا يقل عن كلفة الدواء نفسه، أو حتى يزيد . في غياب شبكة أمان صحي قوية توفر التحاليل بأسعار رمزية أو مدعومة، سيصبح القرار بمثابة "فزعة عرب" جديدة تتحول إلى عبء مالي لا يطاق.إما أن تسبق القرار خطوات حقيقية لتخفيف الكلفة (مثل دعم التحاليل الأساسية في المراكز الحكومية والخاصة ، وتوسعة التأمين الصحي)، وإما أن تتحول المبادرة إلى حاجز يمنع الفقراء من الحصول على العلاج، مما يفاقم أوضاعهم الصحية ويزيد من معاناتهم.ثالثاً: أين الدراسات المحلية؟! أم أنها تقليد أعمى؟!أمام أي قرار بهذا الحجم، يبرز السؤال الأهم : أين هي الدراسات العلمية الأردنية التي رصدت بدقة حجم مقاومة المضادات الحيوية في المجتمع المحلي؟! هل هناك بيانات منشورة من مستشفيات ومراكز صحية أردنية تحدد نسب المقاومة لدى البكتيريا الأكثر انتشاراً؟! أم أن القرار هو مجرد "صيحة" لتقليد دول أخرى تمتلك أنظمة صحية متكاملة وشاملة، تتحمل فيها الدولة جزءاً كبيراً من الكلفة، ويتمتع مواطنوها بتغطية صحية شاملة؟!استيراد سياسات صحية ناجحة في سياقاتها الأوروبية أو الأمريكية، دون تمحيصها بالواقع الاقتصادي والاجتماعي الأردني، ودون توفير البنية التحتية الداعمة لها، هو وصفة أكيدة لفشلها وتحولها إلى مصدر إحباط جديد للمواطن.رابعا : الحوار المجتمعي هو الحللا يمكن إنكار خطورة مقاومة المضادات الحيوية، ولا يمكن الجدل في ضرورة تنظيم صرفها. لكن القرارات المصيرية كهذه لا تنجح بالإملاء من أعلى , ما نحتاجه هو حوار مجتمعي جاد وحقيقي يضم وزارة الصحة، المؤسسة العامة للغذاء والدواء، نقابتي الأطباء والصيادلة، وممثلين عن المواطنين، للخروج بصيغة تحقق الهدف الصحي المنشود، دون أن تتحول إلى كابوس مالي جديد، أو تقصي دور الصيدلي كشريك أساسي في الرعاية الصحية. فصحة المواطن ليست مجالاً للتجارب، ولا يجب أن تتحول إلى سلعة جديدة تثقل كاهله.مؤسسة الغذاء والدواء: تنظيم المضادات الحيوية.. هل سيدفع المواطن الثمن؟!
مدار الساعة ـ