أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

لماذا يهرب التيار الليبرالي والمدني من 'الإسلامي' ويحتضن 'المُمَيَّع'؟ استراتيجية التفكيك في مواجهة صمود المرجعية


د. مصطفى التل

لماذا يهرب التيار الليبرالي والمدني من 'الإسلامي' ويحتضن 'المُمَيَّع'؟ استراتيجية التفكيك في مواجهة صمود المرجعية

مدار الساعة ـ

المطالبة بحذف مصطلح "الإسلامي" من تسمية "جبهة العمل الإسلامي" ليس مجرد نقاش قانوني حول تطبيق حرفي لنص في قانون الأحزاب.

إنها في جوهرها علامة على صراع أعمق حول طبيعة النظام الديمقراطي الأردني نفسه، واختبار حقيقي لمفهوم التعددية الذي تتبناه الحكومات الاردنية .

بعد أكثر من ثلاثين عاماً من الاعتراف الرسمي بالحزب تحت هذا الاسم، وبعد مشاركته المتكررة في العملية الانتخابية والبرلمانية، يتحول النقاش فجأة من تقييم أدائه ومشروعه إلى التركيز على شكليّة الاسم.

هذا الانزياح عن الجوهر إلى الشكل ليس بريئاً، بل هو مؤشر على إستراتيجية ممنهجة تهدف إلى نزع أهم أسلحة القوة السياسية الفاعلة: وضوح المرجعية والتماسك الفكري.

يكشف هذا الجدل عن التناقض الأصيل في الموقف الديمقراطي الأردني من الإسلام السياسي , فالدستور يعلن في مادته الثانية أن الإسلام هو دين الدولة، مما يمنح النظام شرعية تاريخية وهوية جمعية.

لكن في المقابل، يُستخدم قانون الأحزاب لمنع التعبير السياسي المنظم عن هذه الهوية نفسها, بمعنى آخر، الإسلام مقبول كـ"هوية شعارية" تعلو على واجهة الدولة، لكنه مرفوض كـ"مرجعية فكرية" لتكوين أحزاب منافسة.

هذا التناقض يخلق حالة من الانفصام السياسي، حيث تبحث الدولة وحكوماتها عن شرعيتها في مكان بينما تمنع قوى المجتمع من الاستناد إلى نفس المصدر لتقديم مشاريع بديلة.

المقارنة مع التجربة الأوروبية توضح حجم المفارقة , ففي دول علمانية صريحة مثل ألمانيا وإيطاليا، تسمح الأنظمة الديمقراطية لأحزاب مسيحية ديمقراطية بالعمل بل والوصول إلى الحكم، لأن النظام الديمقراطي الواثق من نفسه لا يخشى المنافسة الفكرية الواضحة, هذه الأحزاب لم تخفِ مرجعيتها الدينية، بل حولتها إلى برامج سياسية حديثة، مع الحفاظ على تماسكها الداخلي ووضوح هويتها.

في الأردن نرى العكس: حكومات تؤكد على انها تستمد شرعيتها الديمقراطية من الإسلام لكنها تخشى الأحزاب التي تعلن صراحة عن استنادها إليه , الخوف هنا ليس من الدين، بل من القوة التنظيمية والفكرية التي يمكن أن يمنحها هذا الإعلان الواضح.

هذا الخوف مفهوم في سياق المشهد الحزبي الأردني الهش فـ"جبهة العمل الإسلامي" تمثل حالة استثنائية في محيط من الأحزاب "المميعة", فهي تحتفظ بمرجعية فكرية واضحة ومستقرة، وبنية تنظيمية متماسكة، وقاعدة شعبية عريضة، واستقلالية في التمويل والقرار.

في المقابل، تغلب على كثير من الأحزاب الأخرى سمات التميع: غياب الرؤية الفكرية الواضحة، والطابع الشخصاني الذي يدور حول الزعيم لا الفكرة، والافتقار إلى التنظيم المؤسسي، والتبعية للدعم الخارجي في اغلب الأحزاب العقائدية على الساحة الأردنية .

هذه الأحزاب رغم كثرة عددها لا تشكل تحدياً حقيقياً للحكومات لأنها لا تملك مشروعاً متماسكاً ولا قاعدة شعبية حقيقية ’ خطورتها أقل، وقابليتها للاحتواء أسهل.

هنا تكمن النقطة المركزية: المطالبة بحذف "الإسلامي" هي في الواقع دعوة غير مباشرة للحزب لينزل إلى مستوى "التميع" السائد ’ إنها إستراتيجية لإسقاط النموذج الناجح عبر تجريده من مقومات تميزه، بدلاً من تشجيع الأحزاب الأخرى على منافسته والاستفادة من نجاحاته التنظيمية والفكرية.

الهدف ليس تطبيق القانون بل تحييد المنافس الأكثر خطورة عبر حرمانه من سلاحه الرئيسي: الوضوح. فحين يُجبر الحزب على التخلي عن اسمه التاريخي ومرجعيته الواضحة، سيضطر إما إلى الدخول في صراع هوياتي داخلي يضعفه، أو إلى التحول إلى حزب عام ضبابي الهوية يشبه الآخرين.

في كلتا الحالتين، تكون النتيجة تفكيك القوة السياسية المتماسكة الوحيدة القادرة على تقديم مشروع بديل مكتمل الأركان.

الدفاع عن مصطلح "إسلامي" في اسم الحزب هو في هذا السياق، دفاع عن مبدأ أعمق من الحق القانوني ’ إنه دفاع عن ضرورة وجود تعددية حقيقية واضحة المعالم، وليس تعددية شكلية مميعة.

الساحة السياسية الصحية تحتاج إلى أحزاب تعلن عن مرجعياتها بصراحة: إسلامية، وليبرالية، وقومية، واشتراكية. فقط من خلال هذا الوضوح يستطيع المواطن أن يختار بوعي، وتتم المنافسة السياسية على أساس المشاريع والبرامج، وليس على أساس الشخصيات أو المصالح الضيقة. قتل الوضوح هو قتل لإمكانية السياسة الحقيقية.

الخيار الذي وضعه التيار الليبرالي في الأردن اليوم ليس تقنياً أو قانونياً فحسب , إنه خيار بين نوعين من المستقبل السياسي: مستقبل تسوده أحزاب ضعيفة مميعة يسهل التحكم بها، لا تقدم رؤى جريئة ولا تجرؤ على منافسة التير الليبرالي فعلياً، ومستقبل آخر تتنافس فيه مشاريع فكرية وسياسية واضحة وقوية، يكون الإسلام السياسي أحد أبرز أطرافها.

رفض حذف "الإسلامي" هو إذن خطوة نحو المستقبل الثاني، نحو ديمقراطية حقيقية لا تخاف من تنوعها، ونظام سياسي واثق من نفسه بما يكفي للتعامل مع كل ألوان طيفه الفكري بلا إقصاء ولا خوف.

مدار الساعة ـ