في لحظة واحدة، قد تتحول حياة إنسانٍ طبيعي إلى سلسلة من الانهيارات المتسارعة، تبدأ بجرعة عابرة وتنتهي بفقدان العقل، وتفكك الأسرة، وتهديد أمن المجتمع. المخدرات ليست مجرد مواد محرّمة، بل قنبلة صامتة تتسلل إلى الجسد والعقل، وتعيد تشكيل الوعي والسلوك بطرق خطيرة وغير متوقعة.
ومع الانتشار المتسارع للمخدرات المركبة والكيماوية، لم يعد الإدمان مسارًا بطيئًا، بل طريقًا قصيرًا نحو فقدان السيطرة، حيث تُخدّر المشاعر، وتُعطّل القدرة على التمييز، وتنهار القيم أمام اندفاع لحظي قد يقود إلى العنف أو الجريمة. والأسوأ أن هذا الانهيار لا يصيب المتعاطي وحده، بل يمتد أثره كالدومينو ليطال الأسرة، ويزعزع الاستقرار الاجتماعي، ويزرع الخوف في البيوتنفسية المتعاطي وسلوكه العامأن متعاطي المخدرات يعاني اضطرابًا حقيقيًا في وظائف الدماغ، خصوصًا تلك المسؤولة عن اتخاذ القرار وضبط الانفعالات وتقدير العواقب. ومع استمرار التعاطي، تتآكل قدرة الفرد على التفكير العقلاني، ويغيب التوازن الانفعالي، ليحل محله سلوك اندفاعي غير محسوب.يتسم المتعاطي غالبًا بضعف التقدير للمواقف، وسوء تفسير تصرفات الآخرين، والشعور الدائم بالتهديد أو الاستفزاز حتى في المواقف العادية. هذا الخلل في الإدراك الاجتماعي يؤدي إلى ردود فعل مبالغ فيها، وقد تتخذ طابعًا عدوانيًا أو عنيفًا، خصوصًا عند التعرض للضغط أو عند انقطاع المادة المخدرة.كما يفقد المتعاطي تدريجيًا قدرته على التعاطف والشعور بالذنب، وتضعف لديه الروابط العاطفية والإنسانية، فيتعامل مع من حوله من منطلق انفعالي لحظي، لا تحكمه القيم أو المسؤولية، بل الحاجة القهرية للمادة وتأثيرها المباشر على وعيه وسلوكه.كما ان الأسرة هي الحلقة الأكثر تضررًا من وجود متعاطٍ غير معالج. فالحياة اليومية تتحول إلى حالة من الترقب والخوف وعدم الاستقرار بسبب السلوك غير المتوقع. ويؤدي هذا الوضع إلى ارتفاع مستويات القلق والاكتئاب لدى أفراد الأسرة، خاصة النساء والأطفال، الذين يصبحون الأكثر عرضة للأذى النفسي والجسدي.كما يساهم الإدمان في تفكك العلاقات الأسرية، وغياب الثقة، وتآكل الشعور بالأمان داخل المنزل. ومع الوقت، تتحول الأسرة من بيئة احتواء ودعم إلى ساحة توتر وصراع دائم، ما يزيد من احتمالية العنف الأسري وارتكاب الجرائم داخل نطاق العائلة نفسها.لا تتوقف تبعات الإدمان عند حدود الأسرة، بل تمتد لتشكل تهديدًا مباشرًا للمجتمع. فارتفاع معدلات الجرائم المرتبطة بالتعاطي، سواء جرائم العنف أو السرقة أو الاعتداء، يضع ضغطًا متزايدًا على الأجهزة الأمنية والقضائية، ويؤثر في الشعور العام بالأمان المجتمعي.وتؤكد التقارير الصحية الدولية أن الإدمان غير المعالج يساهم في زيادة السلوكيات الإجرامية، ويؤدي إلى استنزاف الموارد الصحية والاجتماعية، ويضعف النسيج الاجتماعي، خاصة عندما يُنظر إلى المتعاطي على أنه مجرم فقط، لا مريض يحتاج إلى علاج وتأهيل.يُعد الإدمان مرضًا تقدميًا، أي أن تجاهله أو تأجيل علاجه يؤدي إلى تفاقم الأعراض النفسية والسلوكية، وزيادة احتمالية الانزلاق نحو العنف والجريمة. وتشير النماذج العلاجية الحديثة إلى أن التدخل المبكر والعلاج النفسي والإدماني المتخصص يحقق نتائج إيجابية، ليس فقط على مستوى الفرد، بل في حماية الأسرة والمجتمع من تداعيات خطيرة.إن التعامل مع الإدمان من منظور علمي وإنساني لا يعني تبرير السلوك الإجرامي، بل يهدف إلى فهم جذوره النفسية، والحد من مخاطره، وكسر الحلقة التي تربط بين التعاطي والعنف.يمثل الإدمان اليوم أزمة نفسية واجتماعية شاملة تتطلب استجابة متكاملة، تقوم على الوقاية، والتوعية، والعلاج المبكر، والدعم الأسري والمجتمعي. فكل تأخير في مواجهة هذه الظاهرة يفتح الباب أمام مزيد من التفكك الأسري، وارتفاع معدلات الجريمة، وخسارة بشرية لا يمكن تعويضها. إن الاستثمار في العلاج النفسي والإدماني ليس خيارًا ثانويًا، بل ضرورة وطنية وأخلاقية لحماية الإنسان والمجتمع معًا.بني مصطفى تكتب: الإدمان الخطر الذي يعيش بيننا بصمت
د. مرام بني مصطفى
اخصائيه نفسيه وتربوية
اخصائيه نفسيه وتربوية
مدار الساعة ـ