في عالمٍ لم يعد يعترف إلا بالعلم، ولا يقيس تقدُّم الدول إلا بما تنتجه عقولها، بات التعليم – بمستوياته كافة، من المدرسة إلى الجامعة والبحث العلمي – حجر الزاوية في بناء الدول الحديثة، وأداةً مركزيةً لحماية الأمن الوطني بشقيه الاقتصادي والاجتماعي. فلم تعد القوة تُقاس بما تملكه الدول من عتادٍ فقط، بل بما تبنيه من عقولٍ قادرة على الفهم، والإنتاج، والتكيف مع عالم سريع التحول.
وانطلاقًا من هذه الحقيقة، تبرز وزارة التربية والتعليم بوصفها واحدة من أكثر المؤسسات العامة حساسية وتأثيرًا في بنية الدولة والمجتمع، نظرًا لاتساع نطاق عملها، وتداخل مهامها مع كل بيت أردني، وتشابك أدوارها مع قضايا التنمية، وسوق العمل، والاستقرار الاجتماعي. ولذلك، فإن تقييم أدائها لا يمكن أن يُختزل في أرقام سريعة أو مقارنات سطحية، بل يُقاس بمدى قدرتها على إدارة التعقيد، وتحقيق التراكم الإصلاحي في بيئة شديدة التحدي.لقد شهد العقد الأخير تحولات عميقة في أنماط التعليم عالميًا، حيث أعادت دول متقدمة مثل فنلندا وألمانيا وكوريا الجنوبية تعريف وظيفة المدرسة، ورفعت من شأن البحث العلمي، وربطت التعليم التقني بالاقتصاد الإنتاجي، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن الاستثمار في رأس المال البشري هو الطريق الأقصر للتنمية المستدامة. وفي هذا السياق، وجد الأردن نفسه أمام استحقاق وطني لإعادة هيكلة منظومته التعليمية بما ينسجم مع متطلبات العصر، دون القفز على الواقع أو تحميله ما لا يحتمل.وتُعد وزارة التربية والتعليم من أكثر الوزارات تعرضًا لضغوط متراكمة، بفعل النمو السكاني، والتحديات الاقتصادية، وتسارع التحولات الرقمية، فضلًا عن الأزمات العالمية والإقليمية التي فرضت على النظام التعليمي اختبارات قاسية. ومن هنا، فإن أي مقاربة للإصلاح التعليمي لا بد أن تنطلق من فهم واقعي لحجم هذه التحديات، لا من خطابٍ تبسيطي أو أحكام مُسبقة.في هذا الإطار، اتجهت السياسات التعليمية في السنوات الأخيرة إلى تبني مقاربة أكثر شمولية، تقوم على تطوير التشريعات التربوية، وتحديث المناهج، وتعزيز التعليم التقني والمهني، وإعادة الاعتبار للحصة الصفية بوصفها مساحة تفاعلية قائمة على الفهم والتطبيق، لا التلقين والحفظ. كما برز توجه متنامٍ لربط التعليم بمسارات تنمية الموارد البشرية، إدراكًا بأن الإنسان المؤهل هو حجر الأساس في أي مشروع وطني جاد.غير أن هذا المسار الإصلاحي، على أهميته، لا يخلو من تحديات قادمة، في مقدمتها تسريع مواءمة مخرجات التعليم مع سوق العمل، وتعميق ثقافة البحث العلمي التطبيقي، وتعزيز كفاءة المعلم وتأهيله المهني المستمر، إضافة إلى الانتقال من المبادرات الجزئية إلى السياسات المستقرة بعيدة المدى، بما يضمن استدامة الإصلاح وعدم ارتهانه للأشخاص أو الظرف السياسي.ولا يمكن إغفال أن حجم الوزارة وتعقيد بنيتها الإدارية يجعل من عملية الإصلاح مسارًا تراكميًا طويل الأمد، لا يقبل الحلول السريعة أو القفز على الواقع. فنتائج التعليم لا تُقطف فورًا، بل تتجلى آثارها بعد سنوات في سلوك الأفراد، وكفاءة الخريجين، وقدرة المجتمع على الإنتاج والمنافسة، وهو ما يجعل الوزارة عرضة أحيانًا لتقييمات قاسية، وغير منصفة أحيانًا أخرى.ومن هنا، تتقاطع التجربة التعليمية الأردنية بوضوح مع ما ورد في الأوراق النقاشية الملكية، التي أكدت على بناء الإنسان القادر على التفكير النقدي، وتعزيز دولة المؤسسات، وربط التعليم بمنظومة القيم والعمل والإنتاج، بوصفه مدخلًا أساسياً للإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي. فقد قدّمت هذه الأوراق إطارًا فكريًا عميقًا ينظر إلى التعليم باعتباره ركيزة للنهضة الشاملة، لا مجرد قطاع خدمي تقليدي.استشراف المستقبل: ما الذي ينبغي إنجازه؟إذا كان التعليم قد وُضع اليوم على مسار إصلاحي واضح، فإن التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة يتمثل في تحويل هذا المسار إلى منظومة مؤسسية مستدامة، قادرة على الصمود أمام تغير الحكومات وتبدل الإدارات. فالمطلوب ليس تحديث المناهج أو إدخال التكنولوجيا فحسب، بل بناء نموذج تعليمي مرن، يستجيب لمتطلبات الاقتصاد المعرفي، ويتفاعل مع سوق عمل متغير باستمرار.ويقتضي ذلك تعزيز البحث العلمي التطبيقي وربطه بالحاجات التنموية للدولة، بحيث تتحول الجامعات إلى مراكز لإنتاج الحلول والمعرفة، لا إلى منصات تقليدية لتخريج الشهادات. كما يتطلب الأمر إعادة الاعتبار للتعليم التقني والمهني بوصفه مسارًا وطنيًا منتجًا، مع توسيع الشراكات مع القطاع الخاص لضمان مواءمة المهارات مع فرص العمل الحقيقية.أما المعلم، فيبقى حجر الأساس في أي إصلاح حقيقي، الأمر الذي يستدعي الاستثمار الجاد في تأهيله المهني المستمر، وتحسين بيئة عمله، وربط التقييم بالتطوير والأداء لا بالعقاب. وفي الوقت ذاته، تبرز الحاجة إلى تعميق اللامركزية التعليمية، ومنح الميدان التربوي مرونة أوسع في اتخاذ القرار ضمن أطر حوكمة واضحة ومسؤولة.وعلى المستوى الأوسع، فإن مستقبل التعليم يتطلب انتقالًا واعيًا من إدارة التعليم إلى قيادة التعلّم، ومن التركيز على الكم إلى الجودة، ومن ردّ الفعل إلى التخطيط الاستباقي، بما ينسجم مع الرؤية الملكية التي وضعت الإنسان في قلب مشروع الدولة الحديثة.في المحصلة، فإن عبور تحديات المستقبل لا يتحقق بخطاب متفائل وحده، ولا بنقد قاسٍ معزول عن الواقع، بل برؤية عقلانية ترى في التعليم ركيزةً للأمن الوطني، ومشروعًا وطنيًا مستدامًا، تُقاس نتائجه بقدرته على إعداد أجيال تمتلك المعرفة، والمهارة، والقيم، والقدرة على صناعة المستقبل.أبو زيد يكتب: التعليم بوصفه أمنًا وطنيًا.. عبورٌ ذكيٌّ لتحديات المستقبل
زيد أبو زيد
أمين سر المكتب السياسي لحزب مسار
أبو زيد يكتب: التعليم بوصفه أمنًا وطنيًا.. عبورٌ ذكيٌّ لتحديات المستقبل
زيد أبو زيد
أمين سر المكتب السياسي لحزب مسار
أمين سر المكتب السياسي لحزب مسار
مدار الساعة ـ
قراءة مؤسسية في تجربة وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي