أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جاهات واعراس جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

مواطن يرفض 'الصدقة' من أجل الدفء.. أين كانت لجنة الطاقة النيابية؟!


د. مصطفى التل

مواطن يرفض 'الصدقة' من أجل الدفء.. أين كانت لجنة الطاقة النيابية؟!

مدار الساعة ـ

أيها السادة في لجنة الطاقة النيابية :

قرأتُ باهتمام وألم، بيانكم الأخير عن "مبادرتكم" لمعالجة أزمة التدفئة , شكراً لكم على "الدراسة"، و"الاجتماعات"، و"الحزم المقترحة".

لكن سامحوني إن قلت إن كلماتكم الرسمية تبقى عاجزة عن تدفئة طفل يرتجف من البرد في بيت لا يملك ثمن إشعال دفاية آمنة.

عندما تعلنون أن حلّكم يتمثل في "المساهمة في استبدال صوبات 'الشموسة' لدى المواطنين بمدافئ أكثر أماناً، بالتعاون مع وزارة التنمية الاجتماعية وتكية أم علي"، فإنكم تقترفون خطيئتين:

الأولى: أنكم تعترف ضمنياً بأن شريحةً من شعبنا قد وصلت إلى حافة الهاوية، بحيث لم تعد قادرة على تأمين أبسط مقومات الحياة الكريمة.

الثانية، والأخطر أنكم تُجرون تحويلاً خطيراً في المفهوم: فبدل أن تكون التدفئة الآمنة حقاً من حقوق المواطنة التي تضمنها الدولة، تصبح "مبادرة خيرية" و"مسؤولية اجتماعية" للقطاع الخاص وجمعيات الإحسان.

هل هذه هي الغاية من وجود لجنة نيابية؟! أن تتحول إلى وسيط لتوزيع الصدقات على مواطنين أفقرتهم سياسات اقتصادية، وأجهدتهم أسعار طاقة، وأهانتهم بطالة مقنعة وغير مقنعة ؟!

المواطن الذي ينتخبكمويثق بكم، لا يريد منكم أن تشيروا عليه بالتوجه إلى "التكية" ليحصل على دفايته, بل يريد منكم أن تحاسِبوا مَن جعل الدفء رفاهية، وأن تغيروا السياسات التي حوّلت السلامة إلى حلم.

نعم، استبدال الشموسة القاتلة عمل إنساني، لكنه يظل ترقيعاً للمأساة، وليس حلاً لها.

المأساة ليست في المنتج المعيب، بل في الواقع المعيب الذي يجبر إنساناً على شرائه، مأساتنا أن خط الفقر في وطننا لم يعد مجرد رقم في تقرير، بل أصبح عتبة بيت لا يقوى على مجرد مواجهة البرد.

تقولون إنكم "تدرسون تقديم حزمة من المقترحات الهادفة إلى تقليل تكلفة الكهرباء , سأكون صريحاً معكم : المواطن الذي يعاني لا يعنيه "الدراسة" بل النتيجة.

وهنا سؤال يفرض نفسه : ما قيمة تخفيض فاتورة الكهرباء لمستخدم أساساً لا يستطيع تسديد فاتورته الحالية؟! ما قيمة التخفيض إذا كان الدخل نفسه هزيلاً، والوظيفة غير موجودة، وغلاء المعيشة يحصد كل زيادة قبل أن تصل إلى جيب المواطن؟!

المشكلة، أيها السادة، أعمق من تعرفة كهرباء, المشكلة هي فقدان العدالة الاجتماعية, المشكلة هي أن منظومة اقتصادية بكاملها تخلق فقراء جدداً كل يوم، ثم تتعامل مع نتائج فقرها كأزمات إنسانية طارئة تُحل بالصدقة، لا كأخطاء هيكلية تُحل بالإصلاح الجذري.

لذلك كله , أتوجه إليكم ليس بصفتي كاتباً، بل كمواطن يرى كرامته تُباع في سوق الفقر:

1. كفاكم تحويلاً للحقوق إلى منح : التدفئة الآمنة، مثل التعليم والصحة، حق تكفله الدولة، وليست هبة من جمعية خيرية , يجب أن يكون دوركم رقابياً لتأمين هذا الحق، وليس إغاثياً لتوزيع بديله.

2. ليكن شعاركم: "لا تخفيض للكلفة دون ضمان للدخل " اذا لا معنى لتخفيض فاتورة الكهرباء إذا كان راتب المواطن لا يكفيه, اربطوا أي إصلاح في قطاع الطاقة بخطة وطنية حقيقية لتحسين القوة الشرائية وخلق فرص العمل.

3. أشهروا سلطة المحاسبة, لا تكفي الاجتماعات والبيانات , مَن المسؤول عن سياسات الطاقة الباهظة؟! , من المسؤول عن غياب البدائل الآمنة والميسورة؟! , استخدموا أدواتكم الدستورية في الاستجواب والتحقيق، فالرقابة الحقيقية هي التي تمنع الكارثة قبل وقوعها، لا التي توزع المسكنات بعد فوات الأوان.

وتذكروا أن الشتاء القادم آتٍ لا محالة, والأرواح التي فقدناها كانت صرخة مدوية تطلب كرامة، لا صدقة.

الخيار اليوم بين أن تكونوا لجنة توزع الدفء كإحسان، أو لجنة تضمن الدفء كحق , فأيهما تختارون؟

من مواطن يرفض أن يكون "فقيراً" أو "متسولاً" من أجل الدفء.

مدار الساعة ـ