أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات مغاربيات دين بنوك وشركات خليجيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

التل يكتب: الأردن بين مطرقة 'المساحات المرنة' الإيرانية وسندان 'الصفقة الكبرى' الأمريكية.. أين المخرج؟


د. مصطفى التل

التل يكتب: الأردن بين مطرقة 'المساحات المرنة' الإيرانية وسندان 'الصفقة الكبرى' الأمريكية.. أين المخرج؟

مدار الساعة ـ

تتلاعب القوى الإقليمية والدولية الكبرى بورقة الأردن الجيوسياسية في لعبتها الخطرة، فتحاصره بين مشروعين توسعيين متناقضين ظاهرياً ومتلاقيين في النتيجة: المشروع الإيراني القائم على "الدفاع الأمامي" عبر "المساحات المرنة"، والمشروع الأمريكي-الإسرائيلي الرامي لـ"صفقة كبرى" تُجمّد الصراع وتُفرغ المنطقة من أدوات الردع.

في كلا الحالتين، يُنظر إلى الأردن كـرقعة جغرافية يجب تحييدها أو استغلالها، لا كدولة وطنية ذات سيادة ومصالح ثابتة.

المخرج الوحيد للأردن من هذا المأزق الوجودي هو رفض أن يكون مساحة مرنة لأي كان، والعمل الحثيث على بناء حصانة سيادية تجعله لاعباً صلباً في معادلة إقليمية جديدة تقوم على مفهوم الدولة الوطنية المتاحة حاليا ، لا على مشاريع الهيمنة أو التسويات الإملائية.

يطرح السؤال عن مصلحة الأردن في ملف إيران إشكالية جيوستراتيجية عميقة تتجاوز التحليل السياسي الآني إلى صميم مفهوم الدولة الوطنية في مواجهة المشاريع للهيمنة العابرة للحدود.

الأردن في قلب تصورات المشروع الإيراني الإقليمي القائم على "الدفاع الأمامي" وخلق "مساحات مرنة"، ليس طرفاً هامشياً بل هو ساحة حاسمة في معركة الوجود.

النقاش الدائر بين سيناريو الحرب المفتوحة أو صفقة استرضاء يغفل تماماً السيناريو الأكثر واقعية وخطورة، وهو تحويل الأردن نفسه تدريجياً إلى "مساحة تأثير" ضمن تلك الاستراتيجية الإيرانية دون حرب صريحة ودون تسوية واضحة , هنا تكمن المعضلة الوجودية التي تواجه الدولة الأردنية في ظل الجغرافيا السياسية الجديدة.

إيران لا تنوي احتلال الأردن عسكرياً، فهذا مستحيل في المنظور الجيوسياسي والقوى الدولية الفاعلة , ولكنها تسعى بكل ما أوتيت من أدوات "جيوبوليتيكية" و"عقائدية" إلى تحقيق هدف أعمق: تحييد هذه الدولة الوطنية من العالم العربي لتصبح ممراً آمناً لنفوذها ومشاغلة لخصومها.

الأردن هو الحاجز الجغرافي الأخير بين الهلال الإيراني المحكم من طهران إلى بيروت وبين العمق العربي المباشر من خلال استغلال حدود المواجهة مع فلسطين , أي نجاح في إضعاف منعة الأردن أو زعزعة استقراره يفتح ثغرة استراتيجية تسمح بتدفق الأدوات الإيرانية المباشرة وغير المباشرة نحو المنطقة ، محولاً المنافسة الصهيونية الإيرانية على المنطقة بالكامل إلى جزء من "المساحات المرنة" الإيرانية.

عندها لن تكون الضربات الإسرائيلية موجّهة نحو عمق إيران، بل ستعبر أجواء الأردن أو حتى أرضه لتصل إلى قواعد ووكالات إيرانية في سوريا أو لبنان، محولة المملكة إلى ساحة تصفية حسابات بالوكالة دون أن تتحمل طهران تبعات المواجهة المباشرة.

هذا يستدعي قراءة مختلفة للسيناريوهين المطروحين , فالحرب الشاملة، رغم كلفتها الباهظة، هي إعلان صريح لفشل استراتيجية "الدفاع الأمامي" الإيراني ودفع المنطقة نحو المجهول، حيث يصبح الأردن ممتص الصدمة الأولى .

أما الصفقة الكبرى، وهي تبدو حلماً أمريكياً-إسرائيلياً، فتعني في جوهرها نزع أسنان الردع الإقليمي – حتى لو كان تكتيكياً ومربكاً لإسرائيل – وتحرير يدها بالكامل لفرض أمر واقع نهائي في الضفة الغربية.

هنا تتحول المصلحة الإيرانية الضيقة في إنهاء الحصار إلى كارثة استراتيجية للمشروع الوطني العربي، إذ ستجد إسرائيل نفسها في مواجهة مباشرة مع الفلسطينيين دون أي قوى إقليمية قادرة على التشويش أو الإرباك، مما يدفع بأزمات الاحتلال والتهجير نحو حدود الأردن بكل ثقلها , بمعنى آخر كلا السيناريوهين يدفع ثمنه الأردن غالياً : الأول يدفع ثمن الجغرافيا، والثاني يدفع ثمن الغياب الاستراتيجي العربي.

لذلك فإن المصلحة الأردنية العليا لا تكمن في تمني حرب أو الترجي لصفقة، بل في الخروج من هذا الثنائية القاتلة عبر بناء مناعة جيوستراتيجية تجعل من الدولة الأردنية قلعة سيادة لا يمكن اختراقها أو تحويلها إلى مساحة مرنة لأي مشروع توسعي.

هذه المناعة لا تعني الحياد السلبي، بل تعني فاعلية واعية تقوم على ثلاثة أركان:

الأول: تعزيز العمق الاستراتيجي العربي الوظيفي مع المحيط الخليجي والمصري، لإيجاد حائط صد جيوسياسي يحمي الدولة الوطنية من أن تكون ساحة لصراعات الآخرين.

الثاني : رفع الكلفة السياسية والأمنية لأي محاولة اختراق إيراني، سواء عبر الأدوات الثقافية أو استغلال العواطف في القضية الفلسطينية، عبر خطاب وطني صلب ووعي مجتمعي راسخ بمخاطر تحويل القضية المركزية للاردن وهي فلسطين الى ورقة تلاعب للأطراف الأخرى فياضعاف الأردن

الثالث: المبادرة بصياغة رؤية أردنية-عربية فاعلة للتعامل مع إيران من جانب والمشروه الصهيوني – الأمريكي من جانب آخر ، قائمة على مبدأ احترام سيادة الدول ورفض مبدأ "المساحات المرنة" والصفقات جملة وتفصيلاً.

رؤية تفصل بين الملف النووي والإقليمي من جهة، وبين الحق الفلسطيني الثابت من جهة أخرى، وتؤكد أن أمن الأردن والمنطقة لا يتحقق بصفقة على حساب سيادة دولة أو تضحيات شعب.

المصلحة الأردنية هي نفسها مصلحة الدولة الوطنية العربية الباقية: الحفاظ على الكيان والسيادة في وجه مشاريع التفتيت للطرفين ، سواء أتت من الشرق أو الغرب.

الخطر الحقيقي هو أن يصبح الأردن نموذجاً لنجاح استراتيجية "الهيمنة الناعمة" عبر "المساحات المرنة"، حيث تتحمل أرضه وسماؤه تبعات صراعات الآخرين، وتُستغل قضيته العادلة كذريعة للتوسع.

قوة الأردن في منعته الداخلية وتحالفاته الإقليمية الراسخة ورفضه أن يكون رقعة في رقعة الشطرنج الجيوسياسية الكبرى.

الجغرافيا قد تكون قدراً، ولكن السيادة خيار، والأردن مدعو اليوم، أكثر من أي وقت مضى، ليؤكد خياره كحصن أخير للدولة الوطنية في منطقة توشك أن تُفقد فيها معاني الحدود والسيادة لصالح خرائط التنافسات الإقليمية والدولية .

مدار الساعة ـ