أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

مدرسة المستقبل في الأردن: رهان التحديث على الإنسان


د. اخليف الطراونة

مدرسة المستقبل في الأردن: رهان التحديث على الإنسان

مدار الساعة ـ

حين أُعلنت رؤية التحديث الشامل في الأردن، بما تحمله من أبعاد اقتصادية وإدارية وسياسية، كان التعليم في قلب هذه الرؤية، لا بوصفه قطاعاً خدمياً، بل باعتباره الرافعة الأهم لبناء الإنسان القادر على إنجاح التحديث واستدامته. ومن هنا، فإن الحديث عن مدرسة المستقبل لم يعد خياراً فكرياً أو ترفاً تربوياً، بل أصبح جزءاً أصيلاً من مشروع الدولة الحديثة التي نطمح إليها.

ومن موقع العمل الأكاديمي والبحثي في القيادة التربوية، ومن متابعة ميدانية لواقع مدارسنا، يبدو جلياً أن التحدي الحقيقي أمام التعليم العام في الأردن لا يكمن في غياب الخطط أو الرؤى، بل في قدرتنا على تحويل هذه الرؤى إلى ممارسات تربوية حيّة داخل المدرسة. فمدرسة المستقبل، في سياق رؤية التحديث، ليست مدرسة منفصلة عن واقع المجتمع أو عن أولويات الاقتصاد الوطني، بل مدرسة تُعدّ المتعلم للحياة، والعمل، والمواطنة الفاعلة في آن واحد.

إن جوهر مدرسة المستقبل الأردنية يبدأ بالإنسان قبل كل شيء؛ طالب نريده واثقاً من ذاته، قادراً على التفكير النقدي، وعلى التعلم المستمر، وعلى التعامل مع التكنولوجيا بوصفها أداة معرفة لا وسيلة ترف. ومعلم نريده شريكاً حقيقياً في مشروع التحديث، لا منفذاً مثقلاً بالتعليمات، بل قائداً للتعلم، ومربياً يحمل رسالة، ويشعر بقيمة ما يقوم به. فلا تحديث حقيقياً دون معلم مُمكَّن مهنياً ونفسياً، ولا مدرسة مستقبل دون بيئة إنسانية تُقدّر الجهد وتحترم العقل.

وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى مراجعة عميقة لفلسفة المناهج المدرسية، بما ينسجم مع التحول الذي تنشده رؤية التحديث. نحن بحاجة إلى مناهج أقل ازدحاماً وأكثر عمقاً، تركز على بناء المهارات والكفايات، وتربط المعرفة بواقع الطالب، وباحتياجات الاقتصاد الوطني، وبقضايا المجتمع الأردني. مناهج تُنمّي روح المبادرة، والعمل الجماعي، والابتكار، وتُهيئ الطلبة لمسارات تعليمية ومهنية متنوعة، بعيداً عن نمطية المسار الواحد.

ولا يمكن لمدرسة المستقبل أن تؤدي دورها دون قيادة مدرسية واعية بطبيعة المرحلة ومتطلباتها؛ فالتحديث، في جوهره، عملية تغيير، والتغيير لا يُدار بالأدوات التقليدية. نحن بحاجة إلى قيادات مدرسية تمتلك رؤية واضحة، وتُحسن إدارة الموارد، وتؤمن بثقافة الفريق، وتستثمر في المعلمين، وتبني شراكات حقيقية مع المجتمع المحلي. قيادة ترى في المدرسة وحدة تطوير لا وحدة تنفيذ، وتتعامل مع المساءلة بوصفها أداة تحسين لا أداة خوف.

أما التكنولوجيا، التي تشكل أحد أعمدة رؤية التحديث، فيجب أن تدخل إلى مدارسنا بعقل تربوي لا بعين استعراضية. فمدرسة المستقبل ليست الأكثر تجهيزاً بالأجهزة، بل الأكثر قدرة على توظيفها في تحسين التعلم، وتوسيع فرص الوصول، وبناء مهارات العصر الرقمية، دون التفريط بالقيم أو بالعلاقة الإنسانية بين المعلم والطالب.

ويظل التقويم أحد أكثر القضايا إلحاحاً في سياق التحديث التعليمي؛ فالثقافة الامتحانية السائدة ما زالت تشكل عبئاً على الطالب والمعلم والأسرة. وإذا كنا جادين في بناء مدرسة المستقبل، فإننا بحاجة إلى تقويم عادل، متنوع، يركز على النمو والتقدم، ويقيس ما يستطيع الطالب القيام به فعلياً، لا ما يستطيع حفظه مؤقتاً. تقويم يُسهم في تحسين الأداء، لا في تكريس القلق والخوف.

وفي المحصلة، فإن مدرسة المستقبل في الأردن ليست حلماً بعيد المنال، ولا مشروعاً مؤجلاً إلى زمن غير معلوم، بل إمكانية واقعية تتشكل ملامحها كلما توفرت الإرادة، واتسقت الرؤية مع الفعل، وتقدّم الإنسان إلى صدارة الأولويات. نحن نملك في مدارسنا طاقات طلابية واعدة، ومعلمين مخلصين، وقيادات قادرة على التعلم والتجدد، وما نحتاجه اليوم هو الثقة بهذه الطاقات، ومنحها المساحة لتبدع، والدعم لتقود التغيير.

إن رهان التحديث الحقيقي ليس على الأنظمة أو البُنى فقط، بل على العقل الأردني حين يُمنح فرصة التفكير، وعلى المدرسة حين تُعامَل بوصفها مصنع الأمل لا مجرد مؤسسة تعليم. ومع كل خطوة صادقة في تمكين المعلم، وتطوير القيادة، وتجديد المنهاج، نقترب أكثر من مدرسة تُشبه المستقبل الذي نريده لأبنائنا: مدرسة تُعلّمهم أن يؤمنوا بأنفسهم، وأن الوطن يسع طموحهم، وأن الغد يمكن أن يكون أفضل لأنهم هم من سيصنعه.

مدار الساعة ـ