تتزايد الدعوات في الأوساط الأكاديمية والسياسية لإعادة قراءة القضايا الجيوستراتيجية المعاصرة من خلال المنظور الإسلامي، باعتباره رؤية حضارية شاملة تجمع بين الاعتبارات المادية والمعنوية.
إلا أن هذه الدعوات تواجه سجالاً نقدياً حاداً، أبرز ملامحه اتهام الباحثين بـ"إدخال المنظومة الإسلامية إلى الواقع رغم أنف المسؤول والمتخصص من المدارس الأخرى غير الإسلامية"، وتحدي صريح يطالب بـ"إيجاد مصطلح (جيوستراتيجي) أو (جيوبوليتيك) في النصوص الإسلامية التقليدية". هذا النقد، رغم حدة صياغته، يفتح الباب لحوار منهجي عميق حول كيفية تعامل المنظومة الإسلامية مع المصطلحات المستجدة، والعلاقة بين الثوابت الشرعية والمتغيرات المعرفية , وهنا لا بد من وقفات :الوقفة الأولى : طبيعة المنظومة الإسلامية: مفاهيم حية لا مصطلحات ميتةالمنظومة الإسلامية ليست متحفاً للمصطلحات القديمة، بل هي كيان حي يتنفس مع العصر , إنها منظومة مفاهيم وقيم وأصول قادرة على استيعاب المصطلحات المستجدة دون أن تفقد جوهرها. السؤال الجوهري ليس: "هل ورد مصطلح (جيوستراتيجيا) في القرآن أو السنة؟"، بل السؤال الحقيقي هو: "هل تحتوي المنظومة الإسلامية على مفاهيم ومبادئ يمكن من خلالها فهم وتحليل الظواهر الجيوستراتيجية المعاصرة" ؟!التاريخ الإسلامي يشهد أن مصطلحات كثيرة في الفكر الإسلامي لم تكن موجودة بالصياغة الحالية في القرون الأولى, فعلى سبيل المثال لا الحصر مصطلح "السياسة الشرعية" تطور عبر قرون، ومصطلحات الاقتصاد الإسلامي المعاصرة نتاج اجتهاد جمع بين الأصول والمعطيات الجديدة. بل إن العلماء المسلمين القدماء استخدموا مصطلحات ومعارف من حضارات أخرى (الفلسفة اليونانية، الطب الفارسي، الرياضيات الهندية) وطوعوها ضمن المنظومة الإسلامية , هذه السابقة التاريخية تدل على الاستفادة من المعارف الإنسانية المعاصرة. الوقفة الثانية : المكافئ المفاهيمي: من فقه المواقع إلى الجيوستراتيجياأقرب مفهوم في المنظومة الإسلامية للجيوستراتيجيا المعاصرة هو ما يمكن تسميته "فقه المواقع والمسالك"، وهو جزء لا يتجزأ من "علم تدبير الملك" الذي طوره الفقهاء والفلاسفة المسلمون. هذا الفقه يدمج بين علم الجغرافيا (علم الأقاليم كما طوره الإدريسي وابن خرداذبة) الذي يفهم خصائص الأرض ومواردها، وعلم العمران عند ابن خلدون الذي يدرس تفاعل المجتمعات مع بيئاتها، وفقه المصلحة والمفسدة الذي يحلل المنافع والمضار في المواقع الاستراتيجية من منظور شرعي.المفهوم الأوسع هو "علم تدبير المملكة" أو "سياسة الملك" الذي يمثل الجانب التطبيقي من المنظومة الإسلامية في إدارة الدولة, هذا العلم يتضمن تدبير الثغور والحصون (ما نسميه اليوم الجيوبوليتيك الدفاعي) كجزء من منظومة الأمن الشامل، واختيار مواقع المدن والأمصار (الجيوبوليتيك الحضري) وفق رؤية تنموية متكاملة، ودراسة طرق التجارة والإمداد (الجيوبوليتيك الاقتصادي) ضمن إطار المصلحة العامة والأخلاق التجارية الإسلامية. الوقفة الثالثة : شواهد تاريخية: الجغرافيا في خدمة المشروع الحضارييكشف التراث الإسلامي عن نماذج تطبيقية مدهشة للتفكير الجيوستراتيجي, ففي كتابه "المسالك والممالك"، لم يكتف ابن خرداذبة (ت. 300هـ) بوصف الطرق كجغرافي تقليدي، بل حلل القيمة الاستراتيجية لكل طريق ضمن المنظومة الأمنية الإسلامية، والموارد الاقتصادية على طول المسالك في إطار الاقتصاد الإسلامي، والتحالفات القبلية في كل إقليم كجزء من منظومة الولاء والبراء، ونقاط الضعف والقوة الجغرافية في سياق الدفاع عن دار الإسلام.أما المقريزي (ت. 845هـ) في "المواعظ والاعتبار" فقد حلل أسباب اختيار مواقع العواصم الإسلامية وفق معايير المنظومة الإسلامية التي تجمع بين الاعتبارات الأمنية والاقتصادية والدينية، والعلاقة بين الجغرافيا واستقرار الدول في إطار نظرية العمران الإسلامية، وتأثير المناخ والموقع على القوة العسكرية ضمن الرؤية الإسلامية للجهاد والدفاع.وفي "بدائع السلك" قدم ابن الأزرق (ت. 896هـ) تحليلاً عملياً لربط الأحكام الشرعية بالمواقع الجغرافية، مظهراً كيف أن المنظومة الفقهية الإسلامية تحتوي على أدوات لتحليل الجغرافيا السياسية، وتأثير البيئة على تشكيل السياسات في إطار المرونة الفقهية الإسلامية، واستراتيجيات الدفاع عن الثغور الإسلامية كجزء من منظومة الجهاد الشاملة. الوقفة الرابعة : المفاهيم المؤسسة: عمق الرؤية الإسلاميةيقدم مفهوم "دار الإسلام ودار الحرب" في المنظومة الإسلامية نموذجاً للتحليل الجيوستراتيجي الديناميكي ضمن إطار قيمي وأخلاقي. هذا المفهوم يراعي توازن القوى الجغرافي في ظل مبدأ الاستطاعة الشرعي، ويحسب مسافات الإمداد والتموين وفق ضوابط المصلحة الإسلامية، ويدرس الممرات الاستراتيجية بين الدارين في إطار مفهوم الجوار الجغرافي في الإسلام , إنه تصنيف وظيفي متحرك يتغير بتغير الظروف والقدرات، وليس حكماً ثابتاً على الأرض والشعوب.أما نظرية "العمران البشري" عند ابن خلدون فتقدم إطاراً جيوستراتيجياً متكاملاً ضمن الرؤية الإسلامية للتاريخ والمجتمع، حيث تؤثر الجغرافيا في طباع الشعوب وقدراتها القتالية في سياق السنن الإلهية في الخلق، ويحدد المناخ أنماط الاستقرار والترحال ضمن حكمة الله في التنوع البشري، وتشكل الموارد نمط الاقتصاد والقوة العسكرية في إطار مفهوم الاستخلاف والمسؤولية. الوقفة الخامسة : لماذا المصطلحات المعاصرة؟ ثلاثة أسباب جوهريةأولاً: التواصل مع لغة العصراستخدام المصطلحات المعاصرة ليس تقليداً أعمى للغرب، بل هو ضرورة للتواصل مع لغة العصر. كيف يمكن مناقشة أزمة المياه في الشرق الأوسط أو استراتيجيات الطاقة أو النزاعات الحدودية دون استخدام أدوات التحليل المعاصرة؟ثانياً: الإثراء المتبادل المصطلحات الجديدة تُثري الفكر الإسلامي، والفكر الإسلامي يُثري هذه المصطلحات بإضافات قيمية وأخلاقية. المنظومة الإسلامية تقدم أبعاداً أخلاقية وحضارية تفتقر إليها الجيوستراتيجيا الغربية.ثالثاً: الواقعية والتطبيق المشكلات المعاصرة تحتاج أدوات تحليل معاصرة. لا يمكن تحليل أزمة المياه في الشرق الأوسط أو النزاعات الحدودية أو استراتيجيات الطاقة إلا بأدوات تحليلية معاصرة، لكن ضمن إطار قيمي يضمن العدالة والمسؤولية.الوقفة السادسة : ما هي الـــ (لجيوستراتيجيا) في المنظومة الإسلامية ؟!بناء على ما سبق، يمكن إعادة تعريف الجيوستراتيجيا في الإطار الإسلامي على النحو التالي: "علم وفن تحليل المواقع الجغرافية وتدبيرها ضمن رؤية إسلامية شاملة تجمع بين الاعتبارات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، في إطار المقاصد الشرعية والمباديء الإسلامية، لتحقيق مصالح الأمة وحماية دار الإسلام، مع مراعاة العدل والتعاون مع الآخر."هذا التعريف يجمع بين الأبعاد المختلفة: البعد العلمي (التحليل الجغرافي)، البعد الاستراتيجي (التدبير والتخطيط)، البعد الأخلاقي (العدل والتعاون)، والبعد الحضاري (مصالح الأمة ورسالتها). الوقفة السابعة : إطار مفاهيمي متكامل: الفقه الجيوستراتيجي الإسلامييمكن إعادة الاطار المفاهيمي تحت عنوان "الفقه الجيوستراتيجي الإسلامي" كجزء من المنظومة الإسلامية الشمولية، يتمحور حول أربعة أبعاد متكاملة:البعد التشريعي (فقه المواقع): ويشمل أحكام الأماكن الاستراتيجية في الشريعة الإسلامية، وقواعد السلم والحرب حسب الموقع الجغرافي في الفقه الإسلامي، وأحكام التحالفات مع الجوار الجغرافي ضمن ضوابط الولاء والبراء.البعد العمراني (علم العمران): ويركز على اختيار مواقع المدن والعواصم وفق المقاصد الإسلامية، وتخطيط شبكات الطرق والإمداد في إطار المصلحة العامة، وإدارة الموارد حسب البيئة الجغرافية ضمن مفهوم الاستخلاف.البعد الدفاعي (فقه الثغور): ويتناول استراتيجيات الدفاع عن الحدود كجزء من الجهاد، وتنظيم الحصون والقلاع في المنظومة الأمنية الإسلامية، وإدارة التحالفات الحدودية ضمن السياسة الشرعية.البعد الحضاري (جغرافيا الرسالة): الذي يدرس انتشار الإسلام وعلاقته بالطرق التجارية في التاريخ الإسلامي، والتفاعل الحضاري مع الجوار الجغرافي في ضوء التعارف الحضاري القرآني، وإشعاع المركز الحضاري الإسلامي كجزء من الدور العالمي للأمة. الوقفة الثامنة : تطبيقات معاصرة: من النظرية إلى الممارسةفي مجال جيوستراتيجيا الموارد المائية، تقدم المنظومة الإسلامية أدوات تحليلية من خلال أحكام "حقوق الاستغلال من المنبع الى الممر وانتهاءا بالمصب " التي تجعل الماء حقاً مشاعاً، وقواعد تقسيم أنهار دولية كدجلة والفرات وفق مبدأ العدل والتعاون، واستراتيجيات إدارة المياه في المناطق الجافة في إطار التعاون الإسلامي والتكافل.في جيوستراتيجيا المقدسات، تتيح المنظومة الإسلامية تحليل الموقع الجيوستراتيجي لمكة والمدينة والقدس كمركز للعالم الإسلامي، وطرق الحج واستراتيجيات أمنها كجزء من النظام الأمني الإسلامي الشامل، والجغرافيا السياسية للقدس في الرؤية الإسلامية للصراع الحضاري.في جيوستراتيجيا التحالفات الإقليمية، تبنى المنظومة الإسلامية على مفهوم "الجوار الجغرافي" كأساس للعلاقات الدولية، وأحكام التحالف مع الجيران في إطار المصلحة والشرع، وموازين القوى الإقليمية في منظور يقوم على العدل والقوة المسؤولة.الوقفة التاسعة : نحو إعادة العتبار للحضارة بدلاً من الجدال العقيمبدلاً من تحدي الباحثين بـ"أوجد المصطلح في النصوص القديمة"، الذي يشبه مطالبة شخص بإيجاد مصطلح "الهاتف الذكي" في كتب الفقه القديمة، لنطرح سؤالاً أكثر عمقاً: "كيف يمكن للمنظومة الإسلامية أن تقدم رؤية أخلاقية وإنسانية للقضايا الجيوستراتيجية المعاصرة؟"هذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه الأمة الإسلامية اليوم. لأن الأمة التي تكتفي بحفظ مصطلحات الماضي، ولا تجتهد في فهم حاضرها والتخطيط لمستقبلها، هي أمة تتنازل عن دورها الحضاري.المنظومة الإسلامية أكبر من أن تحصر في مصطلحات عصر معين، وهي أعمق من أن تختزل في صياغات لغوية محددة. جوهرها الحي المتجدد هو القادر على استيعاب كل جديد نافع، وتنقيته بمنظار القيم الثابتة، وإثرائه برؤية شاملة تجمع بين دنيا الناس وآخرتهم، بين مصالح العباد ومقاصد الدين، بين حكمة الجغرافيا وعدالة الشريعة.فالجيوستراتيجيا الإسلامية ليست مجرد "فن المكائد الجغرافية" أو أداة للهيمنة، بل هي "فقه تدبير المملكة في ضوء الجغرافيا والمصلحة والشرع" - رؤية حضارية تقدم بديلاً أخلاقياً في عالم يتوق إلى العدل والسلام، وتؤكد أن القوة الجغرافية يجب أن تكون في خدمة الإنسان وكرامته، لا أداة لقهره واستغلاله. هذا هو الجوهر الحقيقي للمشروع الحضاري الإسلامي في عالم اليومالتل يكتب: الجيوستراتيجيا في المنظومة الإسلامية.. بين تحديات النقد وضرورات التجديد
مدار الساعة ـ