في لحظة دولية شديدة الحساسية، لم يعد الخطر الحقيقي كامنًا في نظام سياسي بعينه، بل في انهيار المعايير التي تحكم العلاقة بين الدول. فحين تستبدل القوةُ القانونَ، وتُقصى المؤسسات الدولية لحساب شريعة الغلبة، يصبح العالم كله على حافة فوضى مفتوحة، لا رابح فيها.
حين يتراجع القانون ويتقدم منطق القوةمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تأسس النظام الدولي على مبدأ جوهري مفاده أن العالم، رغم اختلاف قواه ومصالحه، يجب أن يُدار وفق منظومة من القوانين والمؤسسات، وفي مقدمتها هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، بما يضمن منع الحروب الكبرى وحماية سيادة الدول وتسوية النزاعات بوسائل سلمية.غير أن السياسات الأمريكية في السنوات الأخيرة تكشف بوضوح عن انتقال خطير من العولمة الإنسانية القائمة على القانون والمعرفة والتعاون إلى منطق الغلبة وشريعة القوة. وهو انتقال لا يهدد دولًا بعينها، بل يهدد فكرة النظام العالمي ذاتها.فنزويلا كسابقة… لا كحالةإن ما جرى في فنزويلا، وما رافقه من خطاب يشرعن اختطاف رئيس دولة منتخب، يشكّل سابقة خطيرة في العلاقات الدولية. وهي سابقة لا يمكن اختزالها في موقف من نظام سياسي، ولا في الدفاع عن شخص أو سلطة.ومن الضروري هنا توضيح موقف مبدئي لا لبس فيه:هذا الطرح لا يعني دعم أي نظام ديكتاتوري، ولا تبرير أي نظام متورط في الفساد، أو الاتجار بالبشر أو المخدرات، أو انتهاك حقوق الإنسان. كما أنني، مبدئيًا، أرفض تصدير الثورات، وأرفض محاولات خلق الفوضى في الدول الأخرى، أياً كان الفاعل أو الشعار أو المحور.لكن ما حدث يخرج كليًا عن هذه العناوين، ويدخل في نطاق أخطر: تقويض المنهج الذي يفترض أن يُدار به العالم.حين تتحول العدالة إلى انتقائيةحتى في أسوأ الحالات، ومع أكثر الأنظمة إثارة للجدل، لا يجوز استبدال القانون الدولي بمنطق البلطجة، ولا تهميش المؤسسات الأممية لحساب القوة العسكرية.فإذا كانت هناك اتهامات حقيقية، فإن الطريق القانوني واضح:محكمة العدل الدولية، المحكمة الجنائية الدولية، تقديم الأدلة، واحترام مبدأ قرينة البراءة.أما القفز فوق هذه المؤسسات، وممارسة الاعتقال بالقوة خارج أي إطار قانوني، فهو نسف مباشر لفكرة العدالة الدولية، وإلغاء عملي لدور الأمم المتحدة ومجلس الأمن.الإعلام بين النقل والتبرير والموقف الأخلاقيفي هذا السياق، انقسم الإعلام العالمي إلى ثلاث مقاربات واضحة:إعلام تبنّى الرواية الأمريكية وبرّر الفعل؛وإعلام اكتفى بنقل الخبر دون موقف؛وإعلام ثالث رفض هذا السلوك انطلاقًا من التزامه بفلسفة النظام الإنساني العالمي، القائم على معايير موحدة في التعامل مع جميع الدول.وهنا لا تكون القضية إعلامية فقط، بل أخلاقية وحضارية: هل يكون الإعلام شاهدًا على انهيار المعايير، أم شريكًا في تبريرها؟العالم ينظر بقلق… والسابقة أخطر من الحدثإن ما قامت به الولايات المتحدة أحدث اختلالًا عميقًا في ميزان الثقة الدولي. فدول العالم، كبيرها وصغيرها، باتت تنظر إلى السياسة الأمريكية بعين الريبة، لا بوصفها ضامنًا للنظام، بل بوصفها سابقة قد تُستنسخ.والأخطر من ذلك، أن هذا السلوك يفتح الباب أمام أي دولة تمتلك القوة لتبرير ممارسة الفعل ذاته ضد دولة أخرى، قريبة أو بعيدة، بذريعة الأمن أو المصالح أو الاتهامات، ما يعني انهيارًا كاملًا لمنظومة القيم السياسية العالمية.وفي النهاية إن الدفاع عن القانون الدولي، وعن دور الأمم المتحدة، وعن مبدأ سيادة الدول، لا يعني الدفاع عن أنظمة أو أشخاص، بل الدفاع عن فكرة العالم:عالم تحكمه القوانين لا الغرائز، والمؤسسات لا شريعة القوة.وإذا استمرت هذه السياسات، فإن الفوضى لن تكون استثناءً، بل قاعدة، ولن يكون صانعوها بمنأى عن نتائجها. فالتاريخ يعلّمنا أن القوة العارية قد تنتصر مؤقتًا، لكنها تخسر دائمًا في النهاية.أبو زيد يكتب: من العولمة الإنسانية إلى منطق الغلبة.. مأزق القيادة الأمريكية وإعادة إنتاج الفوضى العالمية
زيد أبو زيد
أمين سر المكتب السياسي لحزب مسار
أبو زيد يكتب: من العولمة الإنسانية إلى منطق الغلبة.. مأزق القيادة الأمريكية وإعادة إنتاج الفوضى العالمية
زيد أبو زيد
أمين سر المكتب السياسي لحزب مسار
أمين سر المكتب السياسي لحزب مسار
مدار الساعة ـ