أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

التل يكتب: عندما يصبح الاقتصاد الإسلامي هو النموذج العالمي الذي نلهث خلفه ويتحسس منه الضمان الاجتماعي


د. مصطفى التل

التل يكتب: عندما يصبح الاقتصاد الإسلامي هو النموذج العالمي الذي نلهث خلفه ويتحسس منه الضمان الاجتماعي

مدار الساعة ـ

في البداية، أتوجه بالشكر مرة أخرى لكل من شارك في هذا الحوار الثري، وخاصة ذلك المسؤول في مؤسسة الضمان الاجتماعي في رده على المقال السابق وتفهمه لمقصد التحول نحو نظام المساهمات المحددة.

هذا التفهم يفتح الباب لخطوة أعمق أريد أن أتناولها اليوم: الاكتشاف المذهل الذي يجب أن يغير نظرتنا كلياً. ما نسميه "اقتصاداً إسلامياً" في خطابنا المحلي، هو نفسه "النموذج المتقدم" الذي ندرس تجربته في أرقى جامعات العالم ونسعى لتقليده في برامجنا الإصلاحية.

المفارقة التي يجب أن نواجهها بصراحة: نحن نرفض الفكرة عندما تأتينا من حضارتنا، ونقبلها عندما تأتينا من تجارب الآخرين، رغم أنها الفكرة ذاتها.

لننظر إلى النموذج النرويجي الذي أصبح أسطورة تدرس في كل كليات الاقتصاد, صندوق التقاعد الحكومي النرويجي لا يستثمر في الديون والسندات، بل يركز على الأسهم والعقارات والأصول الإنتاجية الحقيقية.

يبحث عن عوائد من نشاط اقتصادي حقيقي، لا من فوائد على ديون. يرفض الربا بشكل عملي دون أن يستخدم المصطلح. و يدير أموال الشعب بشفافية مطلقة، حيث يمكن لأي مواطن نرويجي أن يعرف بالضبط أين تستثمر أمواله، وكم عائده، وكيف تتخذ القرارات , هذا ليس سوى التطبيق العملي لما نسميه في شريعتنا "تحريم الربا" و"الاستثمار في الأصول الحقيقية" و"الشفافية في المعاملات".

وانظر إلى النظام الدنماركي في إدارة صناديق التقاعد, العمال هناك لا يدفعون اشتراكات إلى صندوق مجهول، بل يملكون حصصاً في صناديق استثمارية تمتلك بدورها أجزاء من الاقتصاد الوطني والعالمي.

المواطن الدنماركي شريك حقيقي في الثروة الوطنية، لا مجرد دافع اشتراكات, هذه ليست اشتراكية بالمعنى القديم، ولا رأسمالية بالمعنى المتوحش، بل هي تطبيق عملي لمبدأ "المشاركة" و"الملكية المشتركة" الذي نجد أسسه في الفقه الإسلامي للمضاربة والمشاركة.

أما النموذج الهولندي، الذي يصنف باستمرار كأفضل نظام تقاعد في العالم، فيقدم لنا درساً مهماً: يمكن الجمع بين التضامن الاجتماعي والكفاءة الاقتصادية, الصناديق الهولندية تحقق عوائد عالية لأنها تستثمر بذكاء في أسواق عالمية متنوعة، وهذه العوائد تسمح لها بتقديم معاشات كريمة دون تحميل الأجيال القادمة أعباء ديون لا تنتهي , هذا بالضبط ما يدعو إليه الاقتصاد الإسلامي: العدالة لا تعني توزيع الفقر، بل تعني بناء الثروة وتوزيعها بعدل.

القصة الكندية تقدم لنا الأمل العملي , ففي تسعينيات القرن الماضي، كان نظام التقاعد الكندي على حافة الانهيار، تماماً كما هي حالتنا اليوم.

ما فعلوه كان تحولاً جذرياً: تخلوا عن وهم "الضمان" غير المدعوم بأصول، وأنشأوا صندوق استثمار مستقل لاستثمار اشتراكات العاملين.

النتيجة؟! نما الصندوق من 40 مليار دولار إلى أكثر من 500 مليار دولار خلال عقدين، وأصبح النظام مستداماً لعقود قادمة.

السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا نرفض هذا الحل عندما يقترحه عالم مسلم أو عربي من الداخل ، ونقبله عندما تأتي به المؤسسات المالية الدولية؟

هنا نصل إلى لب المشكلة: مشكلة التسميات قبل المضامين, نحن في العالم العربي نعاني من حساسية مفرطة تجاه أي شيء يوصف بأنه "إسلامي"، رغم أن المضمون قد يكون هو نفس المضمون الذي نحتفي به عندما يأتي من الغرب.

النرويجي لا يقول إنه يطبق "الاقتصاد الإسلامي"، لكنه يطبق مبادئه الأساسية: الاستثمار في الأصول الحقيقية، الشفافية الكاملة، العدالة بين الأجيال.

الدنماركي لا يتحدث عن "المشاركة الإسلامية"، لكن نظامه قائم على ملكية العاملين لصناديق التقاعد. الهولندي لا يعلن عن "التكافل الإسلامي"، لكن نظامه يجمع بين التضامن والكفاءة.

الخوف من الاقتصاد الإسلامي أصبح عائقاً أمام تبنينا لأفضل الممارسات العالمية , نحن نرفض الفكرة لأنها "إسلامية" قبل أن نفهمها، ونقبلها لأنها "غربية" قبل أن نختبرها.

هذه العقلية الثنائية تحرمنا من الاستفادة من حضارتنا الغنية وحلولها ، وفي الوقت نفسه تدفعنا إلى تقليد أشكال بدون جوهر.

الحل الذي أرى أنه ممكن وعملي: دعونا نفصل بين المضمون والاسم. لا تسميه "اقتصاداً إسلامياً" إذا كان هذا الاسم يزعجك، بل سمه "اقتصاد الأصول".

لا تسمه "صندوقاً إسلامياً"، بل سمه "صندوقاً على النمط النرويجي" , لا تسمه "مشاركة إسلامية"، بل سمه "ملكية جماعية". المهم هو الجوهر، والمضمون، والنتائج.

الفرصة التاريخية أمامنا اليوم هي أن هذا النموذج - سمه ما شئت - يستطيع أن يجمع كل الأطراف , الليبرالي يرى فيه كفاءة السوق واستقلالية عن التدخل الحكومي, الاشتراكي يرى فيه العدالة والتوزيع العادل , الوطني يرى فيه بناء ثروة قومية دائمة. والإسلامي يرى فيه تطبيقاً للمبادئ التي يؤمن بها, بدل أن يكون ساحة لصراع الأيديولوجيات، يمكن أن يصبح أرضية للتعاون البناء.

الخطوة العملية التي أتصورها تبدأ بدعوة خبراء من النرويج والدنمارك وهولندا ليشرحوا لنا كيف حققوا نجاحهم , ليس لأننا نريد تقليدهم بشكل أعمى، بل لأننا نريد أن نرى كيف طبقوا مبادئ نجدها في حضارتنا ونخجل منها بمجرد ذكرها.

ثم ننشئ صندوقاً تجريبياً بإدارة مشتركة بين خبراء دوليين ومحليين كوننا نلهث خلف الخارج ونقدّسه ، ونبدأ بتحويل جزء من الاشتراكات الجديدة إلى هذا النظام , النتائج العملية ستكون خير دليل على الجدوى.

الخلاصة التي أريد أن أصل إليها اليوم بسيطة لكنها عميقة: الاقتصاد الإسلامي الصحيح ليس بدعة غريبة، ولا رجعة إلى الماضي، بل هو التطبيق المعاصر لمبادئ اقتصادية سليمة تلتقي مع أفضل ما توصل إليه الفكر الاقتصادي العالمي.

النموذج النرويجي ليس غريباً عنا، النموذج الدنماركي ليس معادياً لتراثنا، النموذج الهولندي ليس نقيضاً لقيمنا. بل كلها تجسيدات عملية لمبادئ نعرفها جيداً لكننا نرفضها عندما تذكر باسمها "الإسلامي".

السؤال الذي يجب أن يواجهه كل مََن يهتم بمستقبل الضمان الاجتماعي ومستقبل اقتصادنا الوطني: هل نستمر في رفض الحلول لأن أسماءها لا تعجبنا، أم ننظر إلى الجواهر والنتائج؟!

النماذج العالمية موجودة وتعمل بنجاح، والخبرات متاحة، والإرادة هي كل ما نحتاج , الوقت ليس في صالح النظام الحالي، وكل يوم يمر هو فرصة ضائعة لبناء مستقبل أفضل لأبنائنا وأحفادنا.

مدار الساعة ـ