مدار الساعة - السؤال:
عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه كان يعلم بنيه هؤلاء الكلمات كما يعلم المعلم الغلمان الكتابة، ويقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ بهن دبر كل صلاة: (اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر)، هل المقصود دبر كل صلاة بعد الصلاة أم قبل التسليم؟ الجواب: الحمد لله.
هذا الحديث رواه البخاري (6390) عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه قالَ: "كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُعَلِّمُنَا هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ، كَمَا تُعَلَّمُ الْكِتَابَةُ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ نُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَعَذَابِ الْقَبْرِ).
ورواه (2822): عن عَمْرَو بْن مَيْمُونٍ الأَوْدِيّ، قالَ: " كَانَ سَعْدٌ يُعَلِّمُ بَنِيهِ هَؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ، كَما يُعَلِّمُ المُعَلِّمُ الغِلْمَانَ الكِتَابَةَ، وَيَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْهُنَّ دُبُرَ الصَّلَاةِ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُرَدَّ إلى أَرْذَلِ العُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ).
وهذا الحديث رواه البخاري وغيره، ولم يرد في رواياته تعيين المقصود بـ (دُبُرَ الصَّلَاةِ).
ودبر الشيء يحتمل آخر الشيء المتصل به.
قال ابن قتيبة رحمه الله تعالى:
"دبر الصَّلَاة: آخرها، ودبر البيت وكل شيء: مؤخره" انتهى. "غريب الحديث" (2 / 272).
قال الشوكاني رحمه الله تعالى:
" ويحتمل أن دبر الصلاة آخرها قبل الخروج منها، لأن دبر الحيوان منه، وعليه بعض أئمة الحديث " انتهى. "نيل الأوطار" (4 / 391).
ويحتمل أن يكون المراد بـ"الدبر": ما وراء الشيء وخلفه المنفصل عنه.
قال ابن فارس رحمه الله تعالى:
"(دَبَرَ) أصل هذا الباب أنّ جُلَّه في قياس واحد، وهو آخر الشّيء وخلفه خلاف قُبُلِه. وتشذّ عنه كلمات يسيرة نذكرها.
فمعظم الباب أنّ الدُّبُر خلاف الْقُبُل " انتهى. "مقاييس اللغة" (2 / 324).
وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم ربما دعا أحيانا عقب الصلاة، كما عند الإمام مسلم (709): عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: ( كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَحْبَبْنَا أَنْ نَكُونَ عَنْ يَمِينِهِ يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ. قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: رَبِّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ - أَوْ تَجْمَعُ - عِبَادَكَ ).
وعلى هذا المحمل من معنيي الدبر، حمل الحديث أكثر أهل العلم.
فقد ترجم عليه الإمام ابن خزيمة، رحمه الله، فترجم عليه في "صحيحه" (1/ 367): "بَابُ التَّعَوُّذِ بَعْدَ السَّلَامِ مِنَ الصَّلَاةِ".
وكذلك فعل الإمام ابن المنذر، رحمه الله، فذكره في باب : "ذكر جامع الدعاء بعد التسليم". الأوسط (3/401).
وترجم عليه البيهقي، رحمه الله: "بَابُ الْقَوْلِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّسْبِيحِ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ بَعْدَ السَّلَامِ" انتهى، من "الدعوات الكبير" (1/ 180).
وذكره النووي، رحمه الله في: " بابُ الأذكارِ بعدَ الصَّلاة " انتهى، من "الأذكار" (ص70).
قال المظهري رحمه الله تعالى: " دُبرَ الصلاة" بالنصب؛ أي: في عقب الصلاة " انتهى. "المفاتيح في شرح المصابيح" (2/176).
وصرح ابن قدامة، رحمه الله، باستحباب هذا الدعاء بعينه، بعد الفراغ من الصلاة. قال:
" فصل: ويستحب ذكر الله تعالى، والدعاء عقيب صلاته (82)، ويستحب من ذلك ما ورد به الأثر، مثل .... «وعن سعد، أنه كان يعلم بنيه هؤلاء الكلمات ... " وذكر الحديث. "المغني" لابن قدامة (2/ 253).
قال ابن رجب رحمه الله تعالى:
" واستحب –أيضا- أصحابنا وأصحاب الشافعي الدعاء عقب الصلوات، وذكره بعض الشافعية اتفاقا " انتهى. "فتح الباري" (7/417).
ولمزيد الفائدة تحسن مطالعة جواب السؤال رقم: (104163).
والخلاصة:
لم يرد التصريح بتعيين محل الدعاء المذكور: هل هو في آخر الصلاة قبل السلام، أم عقيب الصلاة بعد الفراغ منها، وكلاهما محتمل؛ وأكثر أهل العلم على أن محل هذا الدعاء: بعد الفراغ من الصلاة.
والله أعلم.