كنت على المعبر

.... في الضفة الغربية، في مدنها..نابلس، الخليل، رام الله، جنين..الخ، حين يريد أحدهم أن يبهر الاصدقاء يخبرهم بأنه: (نازل على عمان)...

عمان هناك لا تعتبر عاصمة لدولة شقيقة بل هي من أجزاء القلب، وهي متنفس الفلسطيني..وأول أمس كنت على الجسر، شاهدتهم وهم يعبرون...إلينا، كانت الإبتسامة تجتاح وجوههم جميعا، كأنهم على موعد مع غرام قديم...

كانوا يتفقدون ما أحضروا من البلاد – كما يسمونها–وأحدهم كان فرحا بأن سمحوا له إدخال القليل من الزيت، في فلسطين الزيت أيضا له رحلة صوب عمان..وهو يفرح مثل وجه الفلسطيني تماما...والزعتر مثلهم (ينزل إلى عمان)...وما لفت انتباهي، أن شابا فلسطينيا ظل يسأل عن جندي أردني على المعبر، وحين راقبت الحالة..تبين أن صداقة نشأت بين الإثنين، وهذا الشاب من المستحيل أن يعبر ولا يعانق صديقه الشرطي...

هل رأيتم معبرا يسافر عليه الزعتر مثل البشر تماما، الزعتر لا يحتاج لجواز سفر لأن الأرض هويته...؟ هل شاهدتم معبرا أيضا يسافر فيه..الزيتون؟ والزيتون أيضا لايحتاج لجواز سفر...يكفيه أن يكون فلسطينيا.

هناك تشعر بالوقار حين ترى الشباب الفلسطيني المتعطش للوصول إلى عمان، حين ترى الزنود العصية..والأنوف الشم، وحين تراهم عنوة يضعون (الحطة)..ونكاية بجيش الإحتلال...وحين ترى أحدهم يريد أن يستغل إرسال هاتفه الجوال قبل أن يفصل الإرسال..ويهاتف أمه يقول لها: (يمه طلعت من المعبر هيني وصلت..)...وحين ترى صبية تحمل وليدها الجديد...وترمي أطراف منديلها على وجهه حتى لايتأثر بالشمس، ومن ثم تنزوي بعيدا عن العيون وتدير ظهرها لأجل إرضاعه...وتسأل هل سيكبر؟..حتما سيكبر، وربما سيشارك في انتفاضة جديدة، ربما سينتج شكلا جديدا للشهادة..ربما سيعذب إسرائيل...ربما؟ لقد رضع على المعبر من حليب أمه..أظنه سيكون وحدويا بالفطرة والحليب...

لم أكن اشاهد الناس على المعبر، كنت أرى النخل..جذوره في رام الله وتمره هنا..هل يسافر الشجر..نعم على المعبر تشاهد سيدة في خريف العمر تجاوزت السبعين، مثل نخلة ظلت جذورها في القدس وجاءت لعمان كي تلقي بعضا من الرطب على أهلها ومن ثم تعود...وتشاهد عجوزا طاعنا في السن يسير بعصاه، والإبتسامة على محياه...وعمان في عيونه الوميض والدمع..جاء هنا كي يرى بقية الأهل ربما..

أجمل كلمة يطرقها الشباب في الضفة: نازل على عمان....أنا أعرف وقعها وأعرف كم يشتاقون لها وكم تشتاق لهم...

إسرائيل كذبة كبيرة، لأنها لا تستطيع منع الشوق من السفر، إسرائيل كذبة لأنها لا تجرؤ على منع الحب من السفرأيضا...هي كذبة لأنها لم تمنع عناقا بين عسكري أردني وبين شاب من جنين..هي كذبة لأن الزيتون يعبر عنوة عن البنادق..هي كذبة لأنها لم تجرؤ على منع عمان أن تسافر للقدس وتتجول في شوارعها...ولم تجرؤ أن تمنع الخليل من القدوم لعمان والنوم في حضنها..

كنت على المعبر وكان الشوق وفلسطين والزيتون معي.

[email protected]
الرأي



جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية