« الزعامة» داخل الإنسان العربي

داخل الإنسان العربي يسكن شبح اسمه «الزعيم» او «البطل»، البعض يتقمصه هذا الشبح فيتحول إلى نسخة أخرى مطابقة للبطولة «وللزعامة» التي لا ترى الدنيا إلا من خلالها، والبعض يستدعي تحت الإحساس بعقدة «النقص» هذه الصورة ليملأ الفراغ داخله، أما الآخرون فيقضون أعمارهم في مواجهة هذا الشبح، لا لأنهم يرفضون سطوته وإنما لأنهم يعتقدون أن سطوتهم أقوى من سطوته.

لا ادري –بالضبط- من اين خرجت هذه «النزعة» التي اتسمت بها «الشخصية» العربية دون غيرها من شخصيات «الأمم»؟، لكن ما اعرفه ان «تراثنا» مزدحم بنماذج الانتصار «للبطل» الفرد، والبحث عن «المخلّص» الرمز، والتمجيد «للزعيم» المتفرد، وفي المقابل لا نجد مثل هذا الاحتفاء للبطولة الجماعية، او للأمة الزعيمة، كما لا نجد في سمات هذه «الزعامة» سواء أكانت للفرد ام للجماعة إلا سمات القوة والسيطرة والحزم، وكأن تغييب سمات التواضع او السماحة او اللين تجرح هذه الشخصية باعتبارها إشارات ضعف تتناقض مع صورة «الزعامة» التي تكرست في وعينا باعتبارها نموذجا للقوة والجبروت والسيطرة.

يمكن –بالطبع- فهم نزعة بروز «الزعامة» او استدعائها في سياق «حاجة» المجتمع حين يتعرض لأزمات او مشكلات لا يستطيع الرد عليها او مواجهتها، او في سياق «قابلية» الناس للتسليم والانقياد او رغبتهم الفطرية في «الاستلهام» وبالتالي فان الزعامة هنا «صناعة» اجتماعية وقد تتحول الى «ضرورة» فتندفع الجماعات الى «خلقها» وإبداع ما يلزم من مواصفات لها وأساطير حولها.

يمكن –ايضا- فهم بروز هذه «النزعة» للزعامة في مجتمعاتنا العربية في إطار افتقادنا «للمؤسسية» الناظمة لحياة الناس وأعمالهم سواء أكانت هذه المؤسسية في حدود الأسرة ام المجتمع، ام في إطار محاولة الخروج من «القهر» الى فضاء الحرية التي تتيحها صورة «المنقذ» حتى وان كان فردا، او في إطار سيطرة «فكرة» الاتكالية والاعتماد على «الآخر» في تحقيق الطموحات والمعجزات.

مهما تكن اعتبارات «ولادة» الزعامة في داخل الإنسان العربي، فان مواصفات وتحولات «الزعيم» سواء أكان في المضمار الاجتماعي ام الثقافي ام الديني ام السياسي تظل محكومة بقدرة الجمهور على ضبط نظرتها له وعلاقتها معه، فبمقدار ما تمتلكه من أدوات للوعي والحركة بمقدار ما تستطيع ان تمنع او تخفف من انقلابه من «ملهم» الى «مسيطر» ومن مصدر للبناء والتقدم الى وسيلة للسلب والاستقواء والهدم.

بقي ان أشير الى ان شخصية «الزعيم» في ذاكرتنا العربية ما تزال تحفل بكثير من الجوانب الايجابية، فهو يمثل رمز للتضحية والفداء والعطاء، وهو يفتدي الآخرين بنفسه، ويقيد حريته يمنحهم المزيد من الحرية، ويُفني إرادته لتقوى إرادتهم، كما انها أحيانا تحفل بكثير من الجوانب السلبية، وخاصة حين تنفصل هذه الشخصية عن مجتمعها، وتحاول تختزله في ذاتها، وتفرض عليه سماتها.
الدستور



جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية